فهرس الكتاب

الصفحة 9033 من 11127

6064 - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، أبو محمد السَّختياني المروزي، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ) بتشديد الميم الأولى (ابْنِ مُنَبِّهٍ) على وزن اسم الفاعل، من التَّنبيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي اجتنبوه، قال القرطبيُّ المراد بالظَّن التُّهمة التي لا سبب لها كمَن يتَّهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهرَ عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه بقوله «ولا تجسَّسوا» ، وذلك أنَّ الشخص يقع له خاطر التُّهمة فيريد أن يتحقَّق فيتجسَّس ويبحث ويتسمَّع، فنهى عن ذلك، وقال الخطَّابي وغيره ليس المراد ترك العمل بالظَّن الَّذي يُناط به الأحكام غالبًا، بل المراد ترك تحقيق الظَّن الذي يضرُّ بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليلٍ، وذلك أنَّ أوائل الظُّنون إنَّما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يُقدر عليه لا يكلَّف به، ويؤيِّده حديث (( تجاوز الله للأمَّة عمَّا حدَّثت به أنفسها ) ) [خ¦5269] .

(فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) أي أكثر كذبًا من الكلام، فلا تحكموا بما يقع منهُ كما يُحكَم بنفس العلم، قد استُشكلت تسمية الظَّن حديثًا؛ لأنَّه من الأقوال، وأُجيب بأنَّ المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولًا أم لا، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظَّن، فوَصْفُ الظنِّ به مجازًا (وَلاَ تَحَسَّسُوا) بالحاء المهملة (وَلاَ تَجَسَّسُوا) بالجيم، وفي بعض النُّسخ وهو رواية أبي ذرٍّ بتقديم الجيم على الحاء وأصلهما بالتَّاءين الفوقيتين فحذفت من كلٍّ منهما تخفيفًا.

قال السَّفاقسيُّ معناهما واحدٌ وهو تطلُّب الأخبار، فالثَّاني للتَّأكيد، كما قاله الأنباريُّ كقولهم بعدًا وسحقًا. وقال الخطَّابي معناه لا تبحثوا عن عيوب النَّاس ولا تتَّبعوها، قال الله تعالى حكايةً عن يعقوب

ج 25 ص 517

عليه السَّلام {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف 87] .

وأصل هذه الكلمة الَّتي بالمهملة من الحاسة إحدى الحواس الخمس، وبالجيم من الجسِّ بمعنى اختبار الشَّيء باليد، وهي إحدى الحواس فيكون الَّتي بالحاء أعمُّ، وقيل بالجيم، البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماعُ حديث القوم.

وهذا رواه الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ أحد صغار التَّابعين، وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمورِ وأكثر ما يقال في الشَّر، وبالحاء البحث عمَّا يُدرك بحاسة العين أو الأذن. ورجَّح القرطبيُّ هذا وقيل بالجيم تتبُّع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبُّعه لنفسه، وهذا اختبار ثعلب، وقيل بالجيم الَّذي يَعْرِفُ الخبر بتلطُّف، ومنه الجاسوس، وبالحاء الَّذي يطلب الشَّيء بحاسته كاستراق السَّمع وإبصار الشَّيء خفيةً، ويستثنى من النَّهي عن التَّجسس ما لو تعيَّن طريقًا إلى إنقاذ نفسٍ من الهلاك، مثلًا كأن يُخبَر ثقةٌ بأن فلانًا خلا بشخصٍ ليقتله ظلمًا، أو بامرأةٍ ليزني بها، فيُشرع في هذه الصُّورة التَّجسس والبحث عن ذلك حذرًا من فوات استدراكه، نقله النَّووي عن الأحكام السُّلطانية للماوردي واستجاده وأوَّل كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرَّمات ولو غلب على الظَّن استسرار أهلها بها إلَّا هذه الصُّورة.

(وَلاَ تَحَاسَدُوا) بإسقاط إحدى التاءين، والتَّحاسد هو أعمُّ من أن يسعى في إزالة تلك النِّعمة عن مستحقِّها أم لا، فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسعَ في ذلك ولا أظهرهُ ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة الَّتي نُهِيَ المسلم عنها في حقِّ المسلم؛ فإن كان المانع عجزه بحيث لو تمكَّن فعله فهذا مأزور وآثمٌ، وإن كان المانع له من ذلك التَّقوى فقد تعذَّر؛ لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النَّفسانية، فيكفيه في مجاهدة نفسه أن لا يعملَ بها ولا يعزم على العمل بها.

وقد أخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن إسماعيل بن أميَّة رفعه (( ثلاثٌ

ج 25 ص 518

لا يسلم منها أحدٌ الطِّيرة، والظَّن، والحسد )) . قيل فما المخرج منهنَّ يا رسول الله؟ قال (( إذا تطيَّرت فلا ترجع، وإذا ظننت لا تحقِّق، وإذا حسدت فلا تبغِ ) ). وعن الحسن البصريِّ قال ما من آدميٍّ إلَّا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظُّلم لم يتبعه شيءٌ.

(وَلاَ تَدَابَرُوا) بحذف إحدى التَّاءين أيضًا، قال الخطَّابي لا تتهاجروا فيهجرُ أحدُكم أخاه مأخوذٌ من تولية الرَّجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن عبد البرِّ قيل للإعراض مدابرةً؛ لأنَّ من أبغض أعرض، ومن أعرض ولَّى دبره، والمحبُّ بالعكس، وقيل معناه لا يستأثرُ أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر مستدبرٌ؛ لأنَّه يولِّي دبره حين يستأثر بشيءٍ دون الآخر.

وقال المازريُّ معنى التَّدابر المعاداة، تقول دابَرته؛ أي عاديته، وحكى القاضي عياض أنَّ معناه لا تجادلوا ولكن تعاونوا والأوَّل أولى، وقد فسَّره مالك في «الموطأ» ما خصَّ منه فقال _ إذ ساق حديث الباب عن الزُّهري بهذا السَّند _ ولا أحسب التَّدابر إلَّا الإعراض عن السَّلام، يُدْبرُ عنه بوجهه، وكأنَّه أخذه من بقيَّة الحديث يلتقيان فيُعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسَّلام، فإنَّه يفهم أنَّ صدور السَّلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراضَ. وعن أنسٍ رضي الله عنه قال التَّدابر التَّصارم.

(وَلاَ تَبَاغَضُوا) بحذف إحدى التاءين أيضًا؛ أي لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأنَّ البغض لا يكتسب ابتداءً، وقيل المراد النَّهي عن الأهواء المضلَّة المقتضية للتَّباغض.

قال الحافظ العسقلانيُّ بل هو أعمُّ من الأهواء؛ لأنَّ تعاطي الأهواء ضربٌ من ذلك، وحقيقة التَّباغض أن يقعَ بين اثنين، وقد يُطلق إذا كان من أحدهما والمذموم منه ما كان في غيرِ الله تعالى، فإنَّه واجبٌ فيه ويثاب فاعله لتعظيم حقِّ الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السَّلامة؛ كمن يؤدِّيه اجتهاده إلى اعتقادٍ يُنافي اعتقاد الآخر فيُبغضه على ذلك فهو معذورٌ عند الله.

(وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) بلفظ المنادى المضاف،

ج 25 ص 519

زاد مسلم في آخره من رواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه (( كما أمركم الله ) )، ومثله عنده من طريق قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه. وهذه الجملة تشبه التَّعليل لِما تقدَّم، كأنَّه قال إذا تركتم هذه المنهيَّات كنتم إخوانًا، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيرون أعداء، ومعنى كونوا إخوانًا اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا ممَّا سبق ذكره، وغير ذلك من الأمور المقتضيةِ لذلك إثباتا ونفيًا.

وقوله (( عباد الله ) )فيه إشارةٌ إلى أنَّكم عبيد الله فحقُّكم أن تتواخوا بذلك. وقال القرطبيُّ المعنى كونوا كإخوان النَّسب في الشَّفقة والمرحمة والمحبَّة والمواساة والمعاونة والنَّصيحة. ولعلَّ قوله في الرِّواية الزَّائدة كما أمركم الله هذه الأوامر المتقدَّم ذِكْرها فإنَّها جامعةٌ لمعاني الأخوة ونسبها إلى الله تعالى؛ لأنَّ الرَّسول مبلغٌ عن الله. ويحتمل أن يكون أراد بقوله (( كما أمركُم الله ) )الإشارة إلى قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات 10] فإنَّه خبَّر عن الحالة الَّتي شُرعت للمؤمنين فهو بمعنى الأمر.

قال ابن عبد البرِّ تضمَّن الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه، وقطيعتهُ بعد صحبته بغير ذنبٍ شرعيٍّ، والحسد له على ما أنعمَ الله به عليه، وأن يعاملَ معاملة الأخ النَّسيب، وأن لا يُنقِّب عن معائبه، ولا فرقَ في ذلك بين الحاضرِ والغائب، وقد يشترك الميِّت مع الحيِّ في كثير من ذلك.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ولا تحاسدوا ولا تدابرُوا ) )والحديث من هذا الوجه من إفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت