137 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المشهور بابن المديني، وقد مر ذكره في باب الفهم في العلم [خ¦72] (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة، وقد مر غير مرة (قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح الياء كما هو المشهور، وقد تقدم في باب من قال إن الإيمان هو العمل [خ¦26] .
(وَعَنْ عَبَّادِ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (بْنِ تَمِيمٍ) ابنُ زيد بن عاصم الأنصاري المدني قال أعي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين، فينبغي إذن أن يعد في الصحابة كما عدَّه الذهبي.
وقال ابن الأثير وغيره إنه تابعي لا صحابي، وهذا هو المشهور وهو معطوف على قوله عن سعيد بن المسيب، وسقطت الواو في رواية كريمة وهو غلط؛ لأن سعيدًا لا رواية له عن عبَّاد أصلًا، ثمَّ إن شيخ سعيد يحتمل أن يكون عم عباد كأنه قال كلاهما عن عمه، ويحتمل أن يكون محذوفًا ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى صاحب (( الأطراف ) )، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد الخدري على ما أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سُئل عنه أحمد فقال إنه منكر.
(عَنْ عَمِّهِ) أي عم عباد المذكور عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري المدني، له ولأبيه صحبة، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد، واختلفوا في شهوده بدرًا، وهو قاتل مسيلمة الكذاب شارك وحشيًا في قتله، رماه وحشي بالحربة فقتله عبد الله بسيفه، وقُتِل يوم الحَرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين بالمدينة، وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وأربعون حديثًا اتفقا منها على ثمانية، ووهم ابن عيينة أنه عبد الله بن زيد راوي الأذان وهو غلط، فإن
ج 2 ص 10
راوي الأذان هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو حارثي، والأول مازني، وإن كانا أنصاريين خزرجيين فهما داخلان في نوع المتفق والمفترق، وليس لراوي الأذان في المشهور إلا حديث واحد، وهو حديث الأذان حتى قال البخاري فيما نقله الترمذي عنه لا يعرف له غيره، لكن قيل له حديثان آخران، ورجال هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا علي بن المديني، فإنه ليس من رجال مسلم وابن ماجه، وقد أخرج متنه المؤلِّف في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين [خ¦177] ، وفي البيوع أيضًا [خ¦2056] ، وأخرجه مسلم في الطهارة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فيه أيضًا.
(أَنَّهُ شَكَا) بالألف، ومقتضاه أن الشاكي هو الراوي؛ أي عبد الله بن زيد، وقد صرح بذلك ابن خزيمة، ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل، ووقع في بعض الروايات شُكِيَ _ بالضم أوله على البناء للمفعول _، وعلى هذا فالضمير في أنه للشأن، وكذا وقع في (( صحيح مسلم ) )كما ضبطه النووي وقال لم يُسمَّ الشاكي، وهو من شكوت فلانًا أشكوه شكوى وشكاية وشكيَّة وشكاة إذا أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مشكوٌّ ومشكِيٌّ، وفي لغة شكَى يشكِي على أنه يائي.
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ) بالنصب على رواية البناء للفاعل، وبالرفع على رواية البناء للمفعول (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول من الخيال؛ أي يُشَبَّه ويخايل ويلقي إلى خياله، يقال فلان يمضي على المُخيَّل؛ أي على ما خُيِّل إليه وشُبِّه له؛ أي على غَرَر ومن غير يقين، وخُيِّل إليه أنه كذا على ما لم يسم فاعله من التخييل والوهم، قال الله تعالى {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه 66] ، وفي بعض النسخ بدون الموصول.
(أَنَّهُ) بفتح الهمزة والضمير للرجل (يَجِدُ الشَّيْءَ) أي الحَدَث خارجًا من الدُبُر، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاصِّ اسمه إلا للضرورة (فِي الصَّلاَةِ) تمسك بعض المالكية بظاهره، فخصوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفرَّقوا بالنهي عن إبطال الصلاة، والنهي عن إبطال العبادة متوقِّفٌ على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيُّل إن كان ناقضًا خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض، كذا قال الحافظ العسقلاني.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ يَنْفَتِلْ) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على النفي من الانفتال وهو الانصراف، يقال فتله فانفتل؛ أي صرفه فانصرف وهو قَلْبُ لَفَتَ
ج 2 ص 11
(أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ) شكٌ من الرَّاوي، وكأنه من شيخ البخاري علي بن المديني؛ لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلا شك بلفظ لا ينصرف، ووقع في كتاب الخطابي بالواو (حَتَّى) أي إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من مخرجه (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه أيضًا، وأو للتنويع، وعبَّر بالوجدان دون الشَمِّ ليشمل ما لو لمس المحل، ثمَّ شم يده، كذا قال الحافظ العسقلاني، فتأمل.
وفي (( صحيح ) )ابن حبان، وابن خزيمة و (( مستدرك ) )الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال إنك أحدثت، فليقل كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه» .
وفي (( مسند ) )أحمد من حديث أبي سعيد أيضًا «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته، فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا» ، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان.
وقال ابن خزيمة قوله «فليقل كذبت» أراد فليقل كذبت بضميره لا ينطق بلسانه؛ لأن المصلي لا يجوز له أن يقول كذبت نطقًا، ويؤيده ما رواه ابن حبان في (( صحيحه ) )من حديث أبي سعيد أيضًا مرفوعًا «إذا جاء أحدكم الشيطان فقال إنك قد أحدثت فليقل في نفسه كذبت» .
وفي (( صحيح مسلم ) )من حديث أبي هريرة يرفعه «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه، أَخَرَج منه شيء أم لا فلا يَخْرُجَنَّ من المسجد» ، وروى ابن ماجه بسند فيه ضَعْفٌ عن محمد بن عمرو بن عطاء قال رأيت السائب بن يزيد يَشمُّ ثوبه قلت مم ذاك؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا وضوء إلا من ريح أو سماع» .
ثمَّ المراد من قوله «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» تَحقُّقُ وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع حتى لو كان أخشم راحت حاسة شَمِّه لا يشم أصلًا، أو كان أصم لا يسمع أيضًا كان الحكم كذلك.
وقال الخطابي لم يُرِدْ بذِكْرِ هذين النوعين في الحديث تَخْصيصَهما، وقَصْرَ الحكمِ عليهما حتى لا يحدث بغيرهما، وإنما هو جوابٌ خَرَجَ على حرف المسألة التي سأل عنها السائل،
ج 2 ص 12
وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، وقد يخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوت، ولا يوجد لها ريح، فيكون عليه استئناف الوضوء إذا تيقن ذلك، وقد يكون بإذنه وَقْر، فلا يسمع الصوت، أو يكون أخشم، فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «إذا استهلَّ الصبي وُرِّثَ وصُلِّي عليه» لم يُرِدْ تخصيصَ الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركةٍ وقبضٍ وبسطٍ ونحوها. انتهى.
وهذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياءَ يُحكم ببقائها على أصولها حتى يُتَيقن خلاف ذلك، ولا يَضُرُّ الشك الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، مختلفون في كيفية استعمالها كمسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة، وشك في الحدث يُحْكَمُ ببقائه على الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب جمهور العلماء، وعن مالك روايتان
إحداهما النقض مطلقًا، وهي المشهور عنه كما قال القرطبي.
والثانية النقض خارج الصلاة دون داخلها قالوا هذه الرواية لم تثبت عنه، وإنما هي لأصحابه، وحُكيتْ الرواية الثانية عن الحسن البصري، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، ذكره الرافعي، وكذا النووي في (( الروضة ) )، وحُكيت الأولى أيضًا وجهًا للشافعية وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن قانع عنه أنه لا وضوء عليه كما قاله الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه.
ونقل القاضي، ثمَّ القرطبي عن ابن حبيب المالكي أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث وكأنه تَبِعَ ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء، بخلاف البول والغائط، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سببٍ حاضر كما في الحديث طُرِحَ الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا، وقال القرافي ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ.
وأما غيره فقد احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل، وجوابه أن ذلك من حيث النظر قوي لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه أُمِر بعدم الانصراف إلا أن يَتحقق، وأما إذا تيقن الحَدَثَ وشكَّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع، وعلى هذا الأصل، من شكَّ في طلاق زوجته، أو عِتقِ عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك
ج 2 ص 13
لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث، وأما إذا تيقنهما وشكَّ في السابق منهما؛ ففيه أوجه
وأصحها على ما قيل إنَّه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لِزَمه الوضوء بكل حال والمختار لزوم الوضوء مطلقًا، نعم يُستحب الوضوء في كل صورة احتياطًا، هذا، وقال الخطابي يُستدل بهذا الحديث لمن أوجب الحدَّ على من وُجِدَتْ منه ريحُ الخمر، وإن لم يشاهد شربه ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به؛ لأنه اعتبر وجدان الريح ورُتِّبَ عليه الحكم وفيه نظر؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة، قال الشاعر
~يَقُولُونَ لِي انْكَهْ شَرِبْتَ مُدَامَةً فَقُلْتُ لَهُم لَا بَل أَكَلتُ السَّفَرجَلا
وقد استدل به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا تنقض طهارته، وفيه أنه ليس من هذا الباب أعني أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى؛ لأنه فيما يقع تحت جنس واحد وهو جنس الأشياء الخارجة من البدن هاهنا، فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للكلام وعدوان فيه.
نعم، في الحديث مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع وجواب السائل، وفيه ترك الاستحياء في العلم، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء صلوات ما لم يُحْدِث، وفيه قَبُول خبر الواحد، وفيه أن من كان على حال لا ينفتل عنه إلا بوجود خلافه، وفيه أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما ينزل بهم، والله أعلم.