فهرس الكتاب

الصفحة 2201 من 11127

1395 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبالدال المهملة، وقد مرَّ في أول كتاب العلم [خ¦63] (عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ) المكي، رُمِيَ بالقَدَر، لكن وثَّقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنَّسائي وأبو داود وابن البرقي وابن سعد، وله في هذا الكتاب هذا الحديث وأحاديث يسيرة عن عَمرو بن دينار.

(عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي) نسبة إلى الصَّيف، ضدُّ الشِّتاء، مولى عثمان رضي الله عنه (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة آخره دالٌ مهملة، واسمه ناقد، بالنون والقاف والدال المهملة أو المعجمة، مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ) في «الإكليل» بعث النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذًا وأبا موسى رضي الله عنهما عند انصرافه من تبوك سنة تسع. وقال ابن الحذَّاء إنَّ ذلك كان في شهر ربيع الآخَر سنة عشر، وفي «الطَّبقات» في شهر ربيع الآخر سنة تسع [1] .

وفي كتاب «الصَّحابة» للعسكري بعثه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واليًا على اليمن.

وفي «الاستيعاب» لما خلع من ماله لغرمائه بعثه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال (( لعلَّ الله أن يجبرك ) )قال وبعثه أيضًا قاضيًا وجعل إليه قبض الصَّدقات من العمال الَّذين باليمن، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قسَّم اليمن على خمسة رجال خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أميَّة على كِندة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الجند، وأبي موسى على زبيد وعدن والسَّاحل.

(فَقَالَ ادْعُهُمْ) أي أهل اليمن أولًا (إِلَى) شيئين (شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَ) شهادة (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) وكان أهل اليمن من أهلِ الكتاب.

حيث قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال (( إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتابِ، فادعهم إلى شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ) ).

وقال الشَّيخ

ج 7 ص 3

زين الدين كيفية الدَّعوة إلى الإسلام باعتبار أصنافِ الخلق في الاعتقادات، فلمَّا كان إرسال معاذ رضي الله عنه إلى اليمن إلى مَن يقرُّ بالإله والنُّبوات وهم أهل الكتاب أمره أولًا بأن يدعوهم إلى توحيد الإله والإقرار بنبوَّة محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّهم وإن كانوا يعترفون بألوهيَّة الله تعالى ولكن يجعلون معه شريكًا بدعوى النَّصارى أنَّ المسيح ابن الله، ودعوى اليهود أنَّ عزيرًا ابن الله، وأنَّ محمَّدًا ليس برسول الله أصلًا أو أنه ليس برسولٍ إليهم على اختلاف آرائهم في الضَّلالة، فكان هذا أوَّل واجب يُدعون إليه.

وقال الطِّيبي قيَّد قومًا بأهل الكتاب؛ يعني في رواية مسلم، وفيهم أهل الذِّمة وغيرهم من المشركين تفضيلًا وتغليبًا على غيرهم.

وقال القاضي عياض أَمْرهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذًا رضي الله عنه أن يدعوهم أولًا إلى توحيد الله تعالى وتصديق نبوة محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دليلٌ على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى، وهو مذهبُ حذَّاق المتكلمين في اليهود والنَّصارى أنَّهم غير عارفين بالله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويُظهرون معرفته، وإن كان العقل لا يمنعُ أن يعرفَ الله تعالى من كذَّب رسولًا من رسله.

وقال ما عرف الله تعالى من شبَّهه وجسَّمه من اليهود وأضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصَّاحبة، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النَّصارى، أو وصفه بما لا يليقُ به، أو أضاف إليه الشَّريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الَّذي عبدوه ليس هو الله تعالى وإن سمَّوه به إذ ليس هو موصوفًا بصفات الإله الواجبة، فإذن ما عرفوا الله سبحانه.

وقيل إنَّما أمره بالمطالبة بالشَّهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحُّ شيءٌ من فروعه إلَّا به فمن كان منهم غير موحِّد على التَّحقيق كالنَّصراني فالمطالبة موجَّهة إليه بكلِّ واحدةٍ من الشَّهادتين ومَن كان موحِّدًا كاليهود، فالمطالبة له بالجمع بين ما أقرَّ به من التَّوحيد وبين الإقرار بالرِّسالة.

وفي «التَّلويح» أهل اليمن كانوا يهودًا؛ لأنَّ ابن إسحاق وغيره ذكروا أنَّ تبَّعًا تهوَّد وتبعه على ذلك قومه.

(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي للإتيان بالشَّهادتين (فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة من الإعلام (أَنَّ اللَّهَ) بفتح الهمزة؛ لأنَّها في محل النَّصب على أنَّها مفعولٌ ثان للإعلام (افْتَرَضَ)

ج 7 ص 4

وفي رواية بزيادة كلمة قد (عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فخرج الوتر، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي أقروا بوجوبها أو بادروا إلى فعلها.

ويؤيِّد الأول أن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيَّة فتعود الإشارة بذلك إليها.

ويؤيد الثاني أنَّهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب وكذا الزَّكاة ولو امتثلوا بأدائها من غير تلفُّظ بالإقرار لكفى، والله أعلم.

(فَأَعْلِمْهُمْ) أمرٌ من الإعلام أيضًا (أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ) ويروى (عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي زكاة كما في قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية [التوبة 60] والمراد بها الزَّكوات.

(فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ) على البناء للمفعول (مِنْ) مال (أَغْنِيَائِهِمْ) المكلَّفين كما هو المذهب عندنا، خلافًا لمالك والشَّافعي وأحمد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (وَتُرَدُّ) على البناء للمفعول أيضًا.

(عَلَى فُقَرَائِهِمْ) وإنَّما رتب دعوتهم إلى أداء الزَّكاة على طاعتهم إلى إقامة الصَّلاة لا لترتيب الوجوب بل لترتيب البيان، ألا ترى أنَّ وجوب الزَّكاة على قومٍ من الناس دون آخرين وإنَّ لزومها بمضيِّ الحول على المال، وقد بدأَ بالأهم فالأهم.

وذلك من التَّلطف في الخطاب؛ لأنَّه لو طالبهم بالجميع في أوَّل الأمر لنفرت نفوسهم من كثرتها.

وقال الشَّيخ زين الدين يحتمل أن يقال إنَّهم إذا أجابوا إلى الشَّهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام، ولم يطيعوا لوجوب الصَّلاة كان ذلك كفرًا وردَّة عن الإسلام بعد دخولهم فيه فصار مالُهم فيئًا فلا يؤمرون بالزَّكاة بل يقتلون.

واقتصر على الفقراء من غير ذكر بقيَّة الأصناف؛ لأنَّهم هم الأغلب والإضافة في قوله فقرائهم؛ أي فقراء المسلمين سواء كانوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم يُفيد منع دفع الزكاة إلى الكافرِ.

قال الطِّيبي اتَّفقوا على أنَّها إذا نُقِلَتْ وأُدِّيتْ يسقط الفرض إلَّا عمر بن عبد العزيز فإنَّه يرى أن تدفع الزكاة إلى فقراء أهل البلدة التي أخذت من أغنيائهم. حيث ردَّ صدقة نقلت من خراسان إلى الشَّام إلى مكانها من خراسان، فكأنَّه يرى أنَّ الضمير (( من فقرائهم ) )يرجع إلى أهل اليمن بقرينة السِّياق؛ فعلى هذا لو نقلها عند وجوبها إلى بلدٍ آخر مع وجود الأصناف أو بعضهم فيها لا يسقط الفرض. وسيأتي في باب لا تؤخذ كرائم أموال النَّاس في الصَّدقة عقيب قولهِ «وترد على فقرائهم» «فإذا أطاعوا لها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس» [خ¦1458] . وسيأتي أيضًا في باب أخذ الصَّدقة من الأغنياء عقيب قوله «وكرائم أموالهم» «واتَّق دعوة المظلوم فإنَّه ليس بينه

ج 7 ص 5

وبين الله حجاب» [خ¦1496] .

وفي رواية بدل قوله (( وتوقَّ ) ) (( فإياك وكرائم أموالهم ) )يعني احتَرز فلا تأخذْ كرائم الأموال، وهي جمع كريمة، وهي النَّفيسة من المال.

وقيل ما يخصُّه صاحبه لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب «المطالع» هي جامعة الكمال الممكن في حقِّها من غزارة اللَّبن وجمال الصُّورة وكثرة اللَّحم والصُّوف، وقوله (( فإنه ) )؛ أي الشان.

وفي رواية أبي داود (( فإنَّها ) )؛ أي القصة وقوله ليس بينه؛ أي بين دعاء المظلوم وفي رواية ؛ أي بين دعوة المظلوم؛ أي ليس بين ذلك الدُّعاء وبين أن يقبلَه الله تعالى حجاب يمنع قبوله وإن وجد ما يقتضي عدم قبول سائر الدُّعاء من كون مطعم الدَّاعي حرامًا وغيره حتَّى ورد في بعض طرقه (( وإن كان كافرًا ليس دونه حجاب ) )رواه أحمد من حديث أنس رضي الله عنه.

وله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه ) )وإسناده حسن.

وفي الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، كذا قيل، وقال صاحب «التلويح» وفيه نظر من حيث إنَّ أبا موسى رضي الله عنه كان معه؛ فليس خبر واحد، وعلى قبول كونه خبر واحدٍ، فوجوب العمل به قولُ من يُعتد بهم في الإجماع.

وفيه أيضًا أنَّ الكفَّار يُدْعَون إلى الإسلام قبل القتال، وأنَّه لا يحكم بإسلام الكافر إلَّا بالنُّطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة.

وفيه أيضًا أنَّ الصَّلوات الخمس فرض في كلِّ يومٍ وليلة، وفيه أنَّ الزكاة أيضًا فرض، وفيه أيضًا دليلٌ لمن يذهب أنَّ الكفار غير مخاطبين بشرائع الدِّين، وإنما خوطبوا بالشَّهادة فإذا أقاموها توجَّهت عليهم بعد ذلك الشَّرائع والعبادات؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجبها مرتبة وقدم فيها الشَّهادة ثم تلاها بالصَّلاة والزكاة.

وقال النَّووي وهذا الاستدلالُ ضعيفٌ؛ لأنَّ المراد تعليمهم أنَّهم مطالبون بالصَّلوات وغيرها، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلَّا بعد الإسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مُخاطبين بها؛ يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ثمَّ قال اعلم أنَّ المختار أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة المأمور به والمنهي عنه، وهذا قول المحقِّقين والأكثرين.

وقيل ليسوا مُخاطبين، وقيل مخاطبون بالمنهيِّ دون المأمور، هذا، وقال شمس الأئمة السَّرخسي في كتابه، في فصل بيان موجب الأمر في حقِّ الكفار لا خلاف أنَّهم مخاطبون بالإيمان؛ لأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 7 ص 6

بُعِثَ إلى النَّاس كافَّة ليدعوهم إلى الإيمان، قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف 158] ولا خِلَافَ أنَّهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أنَّ الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضًا، ولا خلاف أنَّ الخطاب بالشَّرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة.

فأمَّا في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من أصحابنا أنَّ الخطاب يتناولهم أيضًا والأداء واجبٌ عليهم، ومشايخ ديارنا يقولون إنَّهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السُّقوط من العبادات. انتهى كلامه، وتفصيل هذا المطلب في الأصول، وفيه أيضًا دليلٌ لمن يرى عدم وجوب الوتر؛ لأنَّ بَعْثَ معاذ رضي الله عنه إلى اليمن قبل وفاة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقليل.

وقال صاحب «التَّوضيح» وهذا ظاهر، لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط.

وتعقَّبه العيني بأنَّه ما غلط إلَّا من استمرَّ على هذا بغير برهان؛ لأنَّ الراوي لم يذكر جميع المفروضات، ألا ترى أنَّه لم يذكر الصَّوم والحج أيضًا، ولئن سلَّمنا ذلك، ولكن لا نسلِّم نفي ثبوت وجوبه بعد ذلك لعدم العلم بالتَّاريخ.

وفيه أيضًا ما ذكره الطِّيبي وآخرون أنَّ في قوله (( تؤخذ من أغنيائهم ) )دليلًا على أنَّ الطفل تلزمه الزَّكاة لعموم قوله (( تؤخذ من أغنيائهم ) ) [2] وعبارة الشَّافعية إنَّ الزكاة لا تجب على الصَّبي بل تجب في ماله، وكذا في المجنون.

واحتجُّوا بحديث عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فقال (( ألا مَن وَليَ يتيمًا له مال فليتجر في ماله ولا يتركه حتَّى تأكله الصَّدقة ) )رواه التِّرمذي.

وقالت الحنفيَّة الشَّرط في وجوب الزَّكاة العقلُ والبلوغ؛ فلا تجبُ في مال الصَّبي والمجنون؛ لحديث عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال (( رُفِعَ القلم عن ثلاثة عن النَّائم حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتَّى يحتلم، وعن المجنون حتَّى يفيق ) ). وحديث التِّرمذي ضعيف؛ لأنَّ في إسناده المثنَّى بن الصَّباح، قال أحمد لا يساوي شيئًا. وقال النَّسائي متروك الحديث. وقال يحيى ليس بشيءٍ. وقال التِّرمذي بعد أن رواه وفي إسناده مقال؛ لأنَّ المثنَّى بن الصَّباح يُضعَّف في الحديث.

فإن قلت روى الدَّارقطني من رواية مندل عن أبي إسحاق الشَّيباني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزَّكاة ) ).

فالجواب أنَّ مندل بن علي الكوفيَّ ضعَّفه أحمد، وقال ابن حبَّان

ج 7 ص 7

كان يرفع المراسيل ويُسْنِدُ الموقوفات من سوء حفظه، فلمَّا فحش ذلك استحقَّ التَّرك.

فإن قيل قال التِّرمذي وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. فذكر هذا الحديث.

فالجواب أنَّ ظاهره أنَّ عَمرو بن شُعيب رواه عن عمر رضي الله عنه بغير واسطة بينه وبينه، وليس كذلك، وإنَّما رواه الدَّارقطني والبيهقي بواسطة سعيد بن المسيَّب أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال «ابتغوا بأموال اليتامى، لا تأكلها الصَّدقة» .

وقد اختلف في سماع ابن المسيَّب من عُمَر بن الخطَّاب رضي الله عنه، والصَّحيح أنَّه لم يسمعْ منه، وقال التِّرمذي وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فرأى غير واحدٍ من أصحاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر رضي الله عنهم، وبه يقول مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق.

وقالت طائفةٌ من أهل العلم ليس في مال اليتيم زكاة، وبه يقول سفيان الثَّوري وعبد الله بن المبارك. انتهى، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قولُ أبي وائل وسعيد بن جبير والنَّخعي والشَّعبي والحسن البصري. وحُكي عنه إجماع الصَّحابة، وقال سعيد بن المسيَّب لا تجب الزَّكاة إلَّا على من تجب عليه الصَّلاة والصِّيام، وذكر حميد بن زنجويه أنَّه مذهب ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وفي «المبسوط» وهو قول علي رضي الله عنه أيضًا، وعن جعفر بن محمَّد، عن أبيه مثله. وبه قال شُريح، ذكره النَّسائي. وفي الحديث أيضًا أنَّ المدفوع عين الزَّكاة. وفيه أيضًا أنَّه ليس في المال حقٌّ واجبٌ سوى الزَّكاة.

وروى ابنُ ماجه من حديث شريك، عن أبي حمزة، عن الشَّعبي، عن فاطمة بنت قيس سمعتُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( ليس في المالِ حقٌّ سوى الزَّكاة ) )وقد اختلفتْ نسخ ابن ماجه في لفظه، ففي نسخة (( في المال حقٌّ سوى الزَّكاة ) ).

وقال الشَّيخ زين الدِّين ليس حديث فاطمة هذا بصحيحٍ، تفرَّد برفعه أبو حمزة القصَّاب الأعور الكوفي، واسمه ميمون، وهو وإن روى عنه الثِّقات الحمادان وسفيان وشريك وابن عُليَّة وغيرهم، فهو متفَّق على ضَعْفه. وقال أحمد متروك الحديث، وقال ابنُ معين ليس بشيءٍ. وحكم التِّرمذي أنَّ هذا الحديث من قول الشَّعبي أصحُّ وهو كذلك، وقد صحَّ عن غيره أيضًا من التَّابعين. وروى أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنها.

وقال ابن حزم صحَّ عن الشَّعبي ومجاهد

ج 7 ص 8

وطاوس وغيرهم القول بأنَّ في المال حقًّا سوى الزَّكاة قال وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال في مالك حق سوى الزَّكاة، وكان مجاهدٌ إذا حصدَ ألقى لهم من السُّنبل، وإذا جَذَّ النَّخل ألقى لهم من المشاريخ، فإذا كَالهَ زكَّاه.

وعن محمَّد بن كعب في قوله تعالى {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام 141] قال ما قلَّ منه أو كثر. وعن جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال {وَآَتُوا حَقَّهُ} قال شيء سوى الحقِّ الواجب. وعن عطاء القبضة من الطَّعام.

وعن يزيد بن الأصمِّ قال كان النَّخل إذا صرم يجيء الرَّجل بالعذق من نخله فيعلَّقه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه، فإذا تناثر منهُ شيء أكل، فذلك قوله تعالى {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام 141] .

وعن حمَّاد يعطي ضغثًا. وعن الرَّبيع بن أنس {وَآَتُوا حَقَّهُ} قال لقاط السُّنبل. وعن سفيان قال يدع المساكين يتَّبعون أثر الحصَّادين فيما سقطَ عن المِنجل. وعن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه نهى عن حصاد اللَّيل.

وقال النَّحَّاس في هذه الآية الكريمة خمسة أقوال

فمنهم مَن قال هي منسوخةٌ بالزَّكاة المفروضة، فممَّن قال ذلك سعيد بن جبير، وقال كان هذا قبل أن تنزل الزَّكاة. وقال الضَّحاك نَسَخَتِ الزَّكاةُ كلَّ صدقةٍ في القرآن.

الثَّاني إنَّها الزكاة المفروضة، وهو قول أنس بن مالك وعن الحسن مثله. وروى الفلَّاس عن طاوس مثله، وهو قول جابر بن زيد، وسعيد بن المسيَّب، وقتادة، وزيد بن أسلم، وقيل هذا قول مالك والشَّافعي أيضًا.

الثَّالث ما قاله أبو العبَّاس كأنَّ السُّدي ذهب إلى أنَّ الذي نزل بمكَّة {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فقط، فلمَّا أعطى ابن قيس كلَّما حصد نزل {وَلَا تُسْرِفُوا} [الأنعام 141] فأوَّلُ الآية مكِّيُّ وآخرها مدنيٌّ.

وعن الكلبي مثل قول السُّدي، وذكر النَّحَّاس مثل قول السُّدي عن الأعرج، وحكاه الثَّعلبي وغيره عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

الرَّابع قول من قال نُسخت الآية بالعُشر ونِصفِ العُشر، وفي «تفسير الفلاس» وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

الخامس ما قاله أبو جعفر إنَّ معناه على النَّدب، وهذا لا يعرف من أحد من المتقدِّمين. وفي الحديث أيضًا أنَّ الإمام يرسل السُّعاة إلى أصحاب الأموال لقبض صدقاتهم.

وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنَّ الزكاة تُرفع إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإلى رُسُلِه وعمَّاله، وإلى من أُمِرَ بدفعها إليه. واختلفوا في دفع الزَّكاة إلى الأمراء، فكان سعد بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وأبو سعيد الخُدري، وأبو هريرة، وعائشة رضي الله عنهم وكذا الحسن البصريُّ والشَّعبي

ج 7 ص 9

ومحمَّد بن علي وسعيد بن جبير وأبو رزين والأوزاعي والشَّافعي يقولون بدفع الزَّكاة إلى الأمراء.

وقال عطاء يعطيهم إذا وضعوها مواضعها. وقال طاوس لا يدفع إليهم إذا لم يضعوها مواضعها. وقال الثَّوري احْلِف لهم وأكذَبهم، ولا تعطهم شيئًا إذا لم يضعوها مواضعَها.

وفي الحديث أيضًا أنَّ السَّاعي ليس له أن يأخذ خيار الأموال، بل يأخذ الوسط بين الخيار والرَّديء. وفيه أيضًا ما قال الخطَّابي إنَّه قد يستدلُّ به مَن لا يرى على المديون زكاة؛ لأنَّه قسم قسمين فقيرًا وغنيًا، فهذا لما جاز له الأخذ لم يجب عليه الدَّفع.

وأجيب عنه بأنَّ المديون لا يأخذها لفقره حتَّى لا يجب عليه الدَّفع، وإنَّما يأخذها لكونه من الغارمين، وهم أحد الأصناف الثَّمانية.

وفيه أيضًا ما قاله صاحب «المفهم» فيه دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاة لا يجب قسمتها على الأصنافِ الثَّمانية المذكورين في الآية، وأنَّه يجوز للإمام أن يصرفها إلى صنفٍ واحدٍ من الأصناف المذكورين في الآية إذا رآه نَظَرَ ومصلحة دينيَّة، والله أعلم.

ثمَّ الحديث أخرجه المؤلِّف في التوحيد [خ¦7372] ، والمغازي [خ¦4347] ، والمظالم أيضًا [خ¦2448] . وأخرجه مسلم في الإيمان، وأبو داود في الزكاة، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.

[1] من قوله (( وقال ابن الحذاء ... إلى قوله سنة تسع ) )ليس في (خ) .

[2] من قوله (( دليلًا على. .. إلى قوله أغنيائهم ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت