1396 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ) هو محمَّد بن عثمان (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء وبالموحدة، وقيل اسمه عمرو بن عثمان، وفي رواية عن محمَّد بن عثمان (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عبد الله القرشيِّ، مات سنة أربع ومائة.
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاري، ووقع في رواية مسلم (( حدَّثنا موسى بن طلحةَ، حدَّثني أبو أيُّوب ) ) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا) قيل هو أبو أيوب الرَّاوي رضي الله عنه، حكاه ابن قُتيبة في «غريب الحديث» .
ونسبه بعضهم إلى الغلط وهو غير موجَّه، إذ لا مانع أن يُبِهْمَ الرَّاوي نفسَه لغرضٍ له، وما جاء في رواية أبي هريرة الآتية [خ¦1397] أنَّه أعرابيٌّ، فمحمول على تعدُّد القصَّة.
وقيل هو ابن المُنْتَفِق، كما رواه البغوي وابن السَّكن والطَّبراني في «الكبير» ، وأبو مسلم الكجي في «السُّنن» من طريق محمَّد بن جحادة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليَشكري أنَّ أباه حدَّثه، قال انطلقت إلى الكوفة فدخلت المسجد، فإذا رجلٌ من قيس يقال له ابن المُنْتَفِق، وهو يقول وُصِفَ لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فطلبتهُ فلقيته بعرفات فتزاحمت عليه، فقيل لي إليك عنه،
ج 7 ص 10
فقال (( دعوا الرَّجل أَرَبٌ ماله ) )قال فزاحمتهم عليه حتَّى خلصت إليه، فأخذت بخطام راحلته، فما غيَّر علي، قال قلت شيئين أسألك عنهما ما ينجيني من النَّار، وما يدخلني الجنَّة؟ قال فنظر إلى السَّماء، ثمَّ أقبل عليَّ بوجهه فقال (( لئن كنت أوجزتَ المسألة، لقد أَعْظَمْتَ وطوَّلت، فاعقلْ عليَّ، اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأقم الصَّلاة المكتوبة، وأدِّ الزَّكاة المفروضة، وصُم رمضان ) ).
وقيل إنَّ اسم ابن المنْتَفِق لقيط بن صبرة، وافد بني المنْتَفِق، وقد وقع نحو هذا السُّؤال لصخر بن القعقاع الباهلي. أخرجه الطَّبراني عنه قال لقيتُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين عَرفة والمزدلفة، فأخذتُ بخطام ناقته فقلت يا رسول الله، ما يقرِّبني من الجنَّة، ويباعدني من النَّار؟ فذكر الحديث، وإسناده حسن.
(قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ) برفع الفعل المضارع على أنَّ الجملة صفة لعمل، والجزم فيه على الأمر غير مستقيم؛ لأنَّه حينئذٍ يبقى قوله بعمل، غير موصوف، والنَّكرة الغير موصوفة لا تفيد. كذا قاله صاحب المظهر «شارح المصابيح» لكن إن جُعل التَّنكير في (بعملٍ) للتَّفخيم أو النَّوع؛ أي بعملٍ عظيمٍ أو بعمل معتبرٍ في الشَّرع لأفاد الكلام.
ويمكن أن يُقال إذا صحَّ الجزم فتوجيهه أن يقالَ إنَّه جزاء شرطٍ محذوفٍ تقديره أخبرني بعمل إن عملته يُدخلني الجنَّة، والجملة الشَّرطية صفة لعمل، والله أعلم.
(قَالَ) كذا في هذه الرِّواية لم يذكر فاعل قال. وفي كتاب «الأدب» (( قال القوم ما له ما له ) ) [خ¦5983] (مَالَهُ مَالَهُ) وهو استفهام؛ أي أيُّ شيءٍ جرى له والتَّكرار للتَّأكيد.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَبٌ مَالَهُ) بفتح الهمزة والراء وتنوين الموحَّدة خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو حاجة جاءت به أو مبتدأ خبرهُ محذوف؛ أي له حاجة وما زائدة بتَقليل أي حاجة يسيرة، قاله الزَّركشي وغيره. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه سأل عن عمل يدخلني الجنَّة، ولا أعظم من هذا الأمر، بل (ما) الزَّائدة منبهة على وصف لائق بالمحلِّ، واللَّائق هنا أن يقدَّر عظيم.
قال ابنُ الجوزي المعنى له حاجة مهمَّة مفيدة جاءت به. ثمَّ إنَّه ليس فيه لا حذف المبتدأ، ولا حذف الخبر، بل هما مذكوران، وساغ الابتداء بقوله أرب ماله؛ لأنَّه نكرة موصوفة بصفة تُرشد إليها ما الزائدة والخبر هو قوله له. وروي بفتح الهمزة وكسر الراء مع التنوين، على وزن حذر؛ أي هو أَرِب؛ أي حاذقٌ فَطِنٌ يسأل عمَّا يعينه، ثمَّ قال ما له؛ أي ما شأنه متعجِّبًا من حرصه في سؤاله بطريقِ الاستفهام.
وقال
ج 7 ص 11
الحافظُ العسقلاني ولم أقفْ على صحَّة هذه الرِّواية، وجَزَمَ الكِرماني بأنَّها ليست محفوظة. وروي بفتح الهمزة وكسر الراء وفتح الموحَّدة بلفظ الماضي كعَلِمَ، ومعناه احتاجَ فسألَ لحاجته، أو تفطَّن لمَّا سأل عنه وعقل، يقال أرب، إذا عقلَ، فهو أريبٌ؛ فيكون قوله (ماله) مفعول أرب.
وقال الأصمعيُّ أرب في الشَّيء صار ماهرًا فيه، فيكون المعنى التَّعجب من حُسن فطنتهِ، والتَّهدي إلى موضعِ حاجته، فلذلك قال ماله تعجُّبًا. ويؤيِّده قوله في رواية مسلم فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لقد وفِّق أو لقد هُدي ) ).
وقال النَّضر بنُ شميل يقال أَرِبَ الرَّجلُ في الأمر، إذا بلغ فيه جهده. وقال ابن الأنباري معناه سقطت آرابه؛ أي أعضاؤه، ومفردهُ إِرْب، بكسر الهمزة وسكون الراء، وهذه كلمة لا يُراد بها وقوع الأمر كما تقول تربت يداك، وإنَّما تُستعمل عند التَّعجب، وقيل لما رأى الرَّجل يزاحمه دعا عليه، ولكنَّ دعاؤه على المؤمن يكون طهرًا له، كما ثبت في «الصَّحيح» . وروي بفتح الجميع، فقال القاضي عياض لا وجه له، والله أعلم.
(تَعْبُدُ اللَّهَ) أي توحِّده، وفسره بقوله (وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) وفي رواية بإسقاط الواو قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات 56] ؛ أي ليوحِّدوني، وتحقيقه أنَّ العبادة هي الطَّاعة مع الخضوع، فيُحمل على أنَّ المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيَّته، فعلى هذا يكون عطف الصَّلاة وما بعدها عليها لإدخالها في الإسلام، وأنَّها لم تكن دخلت في العبادة.
ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطَّاعة مطلقًا فيدخل فيها جميع وظائف الإسلام، فعلى هذا يكون عطف الصَّلاة وغيرها من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ؛ تنَّبيهًا على شرفه ومرتبته، وإنَّما ذكر قوله ولا تشرك به شيئًا بعد العبادة، لأنَّ الكفار كانوا يعبدونه سبحانه في الصُّورة، ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنَّها شركاء فنفى هذا.
(وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ) أي المكتوبة المفروضة، قال الله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103] . وفي الحديث (( إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة، وأفضل صلاة بعد المكتوبة صلاة اللَّيل ) ). وخمس صلوات كتبهنَّ الله، ومعنى إقامتها إدامتها والمحافظة عليها، وإتمامها على وجهها.
(وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ) أي المفروضة؛ لأنَّها مقارنةً للصَّلاة المكتوبة المقارنة للتَّوحيد الَّذي هو فرض قطعًا
ج 7 ص 12
(وَتَصِلُ الرَّحِمَ) صلة الرَّحم مشاركة ذوي القرابة في الخير والمال، وخصَّت هذه الخصلة من بين سائر واجبات الدِّين نظرًا إلى حال السَّائل، كأنَّه كان قطاعًا للرَّحم مبيحًا لذلك، فأمر به؛ لأنَّه هو المهم بالنسبة إليه.
وقال القرطبي إنَّما لم يخبرهم بالتطوُّع؛ لأنَّهم كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فاكتفى بأهمِّ الواجبات للتخفيف، ولئلَّا يعتقدوا أنَّ التطوع واجبٌ، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم فيَسهل عليهم.
ثمَّ الأفعال المذكورة أخبار لفظًا إنشاءات معنىً، أو هي في تأويل المصادر بتجريدها عن الزَّمان، كقوله تسمع بالمعيدي خير من أن تراهُ. والتقدير هو؛ أي ذلك العمل العبادة وأخواتها.
(وَقَالَ بَهْزٌ) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي، هو ابن أسد العَمِّيُّ، أبو الأسود البصري، وقد مرَّ في باب الغسل بالصَّاع [خ¦251] (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ) بن عبد الله، وقد أوضحَ شعبة في هذه الرِّواية أنَّ ابنَ عثمان هو محمَّد بن عثمان.
(أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاري رضي الله عنه، وفي رواية زيادة (بِهَذَا) الحديث السَّابق.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو) أي ابن عثمان، وقال الدَّارقطني إنَّ شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب، فسمَّاه محمَّدًا، وإنَّما هو عَمرو بن عثمان، والحديث محفوظٌ عنه.
وقال الكلاباذيُّ روى شعبة، عن عَمرو بن عثمان، ووهم في اسمه، فقال محمَّد بن عثمان في أول كتاب الزَّكاة [خ¦1396] . وقال الغساني هذا ممَّا عُدَّ على شعبة أنَّه وهم فيه حيث قال محمَّد بدل عمرو، والله أعلم.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ. وأخرجه المؤلف في الأدب أيضًا [خ¦5983] ، وأخرجه مسلم في الإيمان، والنَّسائي في الصَّلاة والعلم.