1397 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) أبو يحيى البغدادي المعروف بصاعقة البزاز، بمعجمتين، سمِّي بصاعقة؛ لأنَّه كان سريع الحفظ وجيِّده، مات سنة خمس وخمسين ومائتين قال (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بتشديد الفاء، الصَّفار البصري، روى البخاري عنه بلا واسطة في باب ثناء النَّاس على الميِّت [خ¦1368] قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو على صيغة التَّصغير، هو ابن خالد بن عجلان صاحب الكرابيسي.
(عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتيَّة، أبي حيَّان التَّيمي تيم الرَّباب (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء، واسمه هَرْم، بفتح الهاء وسكون الراء، ابن عمر بن جرير البجلي الكوفي، وقد مرَّ في باب سؤال جبريل عليه السَّلام
ج 7 ص 13
في كتاب الإيمان [خ¦50] .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة، مَن سَكَنَ البادية، قيل هو سَعْد بن الأخرم. وروى الطبراني في «الكبير» من حديث الأعمش، عن عَمرو بن مرَّة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، أو عن عمِّه شكَّ الأعمش قال أتيت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت يا نَّبي الله، دُلَّني على عَمَلٍ يقرِّبني من الجنَّة، ويُباعدني من النَّار، فسكت ساعةً، ثمَّ رفع رأسه إلى السَّماء فنظر فقال (( تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحبُّ للنَّاس ما تُحب أن يُؤتى إليك، وما كرهتَ أن يُؤتى إليك فدع النَّاس منه ) ).
وقيل هو السَّائل في حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه، والظَّاهر تعدُّد القصة كما مرَّ [خ¦1396] .
(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ دُلَّنِي) بضم الدال وفتح الدال المشدَّدة (عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَعْبُدُ اللَّهَ) وحده (لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) غَايَرَ بين القيدين كراهيةَ تكرير اللَّفظ الواحد، أو احترز عن صدقة التَّطوع؛ لأنَّها زكاة لغويَّة أو عن المعجلة قبل الحول، فإنَّها زكاة لكنَّها ليست مفروضة، فافهم.
(وَتَصُومُ رَمَضَانَ) زاد هذا في هذا الحديث، لأنَّ الظَّاهر أنَّه قد فرض، ولم يذكر الحجَّ؛ لأنه لم يُفرْض حينئذٍ أو كان حينئذٍ [1] حاجًّا، فاستغنى عن ذكره، ولا الجهاد، لأنَّه ليس بفرض على الأعراب، قاله الدَّاودي.
وقال النَّووي واعلم أنَّه لم يأت في هذا الحجُّ، ولا جاء ذِكْره في حديث جبريل عليه السَّلام من رواية أبي هريرة رضي الله عنه. وكذا غير هذا من الأحاديث لم يذكر في بعضها الزَّكاة، وذُكِرَ في بعضها صلة الرَّحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان، فتفاوتَت هذه الأحاديث في عدد خصالِ الإيمان زيادةً ونقصًا وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عيَّاض وغيره بجوابٍ لخَّصه الشَّيخ أبو عَمرو بن الصَّلاح فقال ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل هو من تفاوت الرُّواة في الحفظ والضَّبط، فمنهم من قصَّر فاقتصر على ما حَفِظَه فأدَّاه، ولم يتعرَّض لما زاد غيره بنفي ولا إثباتٍ، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنَّه الكل، لكن قد بان بما أتى به غيره من الثِّقات أنَّ ذلك ليس بالكلِّ، وأنَّ
ج 7 ص 14
اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن إتمامه، ولمَّا ذكر النَّووي هذا استحسنه.
قال العينيُّ والأحسن أن يقال إنَّ رواة هذه الأحاديث مُتَعَدِّدة، وكلُّ مَن روى منهم بزيادة على ما رواه غيره أو نقص عنه لم يكن بتقصيرٍ منه، وإنَّما وقع ذلك باختلاف المواقع والأزمنة، والله أعلم.
(قَالَ) أي الأعرابي (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا) الَّذي ذكر من الفرائض؛ أي اكتفى به عن النَّوافل أو لا أزيد على ما سمعت منك في تأديته لقومي، فإنَّه كان وافدهم.
وقال ابن الجَوزي أي لا أزيد في الفرائض على هذا ولا أنقص، كما فعل أهل الكتاب، وزاد مسلم في روايته (( شيئًا أبدًا ولا أنقص منه ) ).
(فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) الأعرابي، الظَّاهر أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أنَّه يُوفي بما التزم، وأنَّه يَدُوم على ذلك ويدخلُ الجنَّة. وعند مسلم في حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( إن تمسَّك بما أمر به دخل الجنَّة ) ).
فإن قيل المبشَّرون بالجنَّة عشرة، وبهذا يُزاد عليهم؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصَّ عليه أنَّه من أهل الجنَّة.
فالجواب أنَّ التَّنصيص على العدد لا ينافي الزِّيادة، وقد ورد أيضًا في حقِّ كثيرٍ مثل ذلك، كما ورد في الحسن والحسين أنَّهما من شباب أهل الجنَّة، وكذا في أمَّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين. وقيل العشرة بُشِّروا بالجنَّة دفعةً واحدةً فلا ينافي المتفرِّق.
قال القرطبي هذا الحديث وغيره من هذا الباب يدلُّ على جواز ترك التَّطوعات، لكن مَن دام على ترك السُّنن كان نقصًا في ذمَّته، فإن كان تركها تهاونًا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقًا لورود الوعيد عليه حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من رغب عن سنَّتي فليس منِّي ) ).
وقد كان صدر الصَّحابة ومن بعدهم يواظبون على السُّنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرِّقون بينهما في اغتنام ثوابهم، وإنَّما احتاج الفقهاء إلى التَّفرقة لِما يترتَّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على التَّرك ونفيه.
ولعلَّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم؛ لئلَّا يثقل عليهم ذلك في تلك الحال، فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على ثواب المندوبات سَهلت عليهم.
وفي الحديث جواز قول جاء رمضان وذهب رمضان، خلافًا لمَن منع عن مثل ذلك لزعمه بأنَّ رمضان اسم من أسماء
ج 7 ص 15
الله تعالى. وفيه أيضًا أنَّ مَن أتى بالشَّهادتين وصلَّى وزكَّى وصام وحجَّ إن استطاع، دخل الجنَّة. وفيه أيضًا سؤال مَن لا يعلم مَن يعلم عن العمل الَّذي يكون سببًا لدخول الجنَّة. وفيه وجوب السُّؤال عن أمور الدِّين. وفيه البشارة والتَّبشير للمؤمن الَّذي يؤدِّي الواجبات بدخول الجنَّة.
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى) هو ابن سعيد القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بتشديد المثناة التحتية، هو يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيمي المذكور آنفًا [خ¦1397] ، ذَكَره ثمَّة باسمه وهنا بكنيته.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا) الحديث السَّابق [خ¦1397] عن وُهَيب، وهذا الطَّريق مرسل؛ لأنَّ أبا زرعة تابعيٌّ لا صحابي، فليس له أن يقول عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بطريق الإرسال.
وأفادت هذه الرِّواية تصريح أبي حيَّان بسماعه من أبي زرعة، وأيضًا زال التَّردد الَّذي وقع في رواية الأَصيلي عن أبي أحمد الجرجاني هنا، حيث قال عن يحيى بن سعيد بن حيَّان، أو عن يحيى بن سعيد، عن أبي حيَّان، وهو خطأ إنَّما هو يحيى بن سعيد بن حيَّان كما لغيره.
ولم يذكر يحيى القطَّان أبا هريرة رضي الله عنه، فخالف وُهَيبًا في ذلك، وثبت ذكره في بعض الرِّوايات، وهو خطأ، فقد ذكر الدَّارقطني أنَّ رواية القطَّان مرسلة، والله أعلم.
[1] قوله (( أو كان حينئذٍ ) )ليس في (خ) .