فهرس الكتاب

الصفحة 8767 من 11127

5888 - (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [1] ) ابن بشير الحنظليُّ البلخيُّ، قال البخاريُّ مات سنة أربع عشرة ومائتين. قال الكرمانيُّ مكيٌّ منسوبٌ إلى مكَّة، وليس كذلك بل هو عَلَمٌ له، فإنَّه ظنَّ أنَّه نسبة (عَنْ حَنْظَلَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة واللام بعدها، هو ابنُ أبي سفيان، واسمه الأسودُ بن عبد الرحمن الجُمحي القرشي المكِّي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا لم يُذكر ابن عمر في السَّند، وحدَّث به غير البخاري عن المكِّي موصولًا بذكر ابن عمر فيه، وهو المرادُ بقول البخاري (قَالَ أَصْحَابُنَا عَنِ المَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

ج 25 ص 195

قال الحافظ العسقلانيُّ هذا هو المعتمدُ، وبهذا جزم شيخنا ابنُ الملقِّن لكن قال ظهر لي أنَّه موقوفٌ على نافعٍ في هذه الطَّريق، وتلقَّى ذلك من الحميدي فإنَّه جزم بذلك في «الجمعِ» وهو محتملٌ.

وأمَّا الكرماني فزعم أنَّ الرِّواية الثَّانية منقطعة لم يذكر فيها بين مكي وابن عمر أحدًا فقال المعنى أنَّ البخاري قال روى أصحابنا الحديث منقطعًا، فقالوا حدَّثنا مكِّيٌّ عن ابن عمر فطرحوا ذكر الرَّاوي الَّذي بينهما كذا قال، وهو وإن كان هو ظاهرُ ما أورد البخاري، لكن تبيَّن من كلام الأئمَّة أنَّه موصولٌ بين مكِّي وابن عمر. وقال الزَّركشي هذا الموضع ممَّا يجب أن يعتني به النَّاظرون، وماذا الذي أراد بقوله «قال أصحابنا عن المكِّي عن ابن عمر» فإنَّه يحتمل أنَّه رواه مرَّةً عن شيخه مكِّي عن نافع مرسلًا، ومرَّةً عن أصحابه عن مكي مرفوعًا عن ابن عمر، ويحتمل أن بعضهم نسب الرَّاوي عن ابن عمر إلى أنَّه المكي انتهى. وهذا الثَّاني هو الَّذي جزم به الكرماني وهو مردودٌ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الذي قاله هو المردود عليه؛ لأنَّه نَسَب الرَّجل إلى غير ما قاله يظهر ذلك لمن تأمله فتأمل، والظَّاهر أنَّ معنى قوله «قال أصحابنا عن المكِّي عن ابن عمر» أنَّه رواه أوَّلًا موقوفًا عن المكي عن حنظلة عن نافع موقوفًا على نافع، وأصحابُه وصلوه عنه عن ابن عمر مرفوعًا؛ أي عن المكي عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بذكر ابن عمر في السَّند كما سبق. وقد أورد البخاري الحديث المذكور في الباب الَّذي يليه من طريق إسحاق بن سليمان عن حنظلة موصولًا مرفوعًا [خ¦5890] لكنَّه نزل فيه درجة، وطريق مكِّي وقعت في «مسند ابن عمر» لأبي أميَّة الطَّرسوسي قال حدَّثنا مكي بن إبراهيم، فذكره موصولًا مرفوعًا، وزاد فيه بعد قوله «قصُّ الشَّارب» ، و «الظَّفر وحلق العانة» ، وكذا أخرجه البيهقيُّ في «الشعب» من وجهٍ آخر عن مكي.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مِنَ الفِطْرَةِ) أي من السُّنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واتَّفقت عليه الشَّرائع وكأنها أمرٌ جبليٌّ فُطِروا عليه. قال الخطابيُّ ذهب أكثرُ العلماء إلى أنَّ المراد

ج 25 ص 196

بالفطرة هنا السُّنَّة، وكذا قاله غيره، قالوا والمعنى أنَّه من سنن الأنبياء. وقالت طائفةٌ المعنى بالفطرة الدِّين، وبه جزمَ أبو نُعيمٍ في «المستخرج» . وقال النَّوويُّ في «شرح المهذب» جزم الماورديُّ والشيخ أبو إسحاق بأنَّ المراد في الفطرة في الحديث الدِّين. واستشكل ابن الصَّلاح ما ذكره الخطابيُّ، وقال معنى الفطرة بعيدٌ من معنى السُّنَّة، لكنَّه لعلَّ المراد أنَّه على حذف مضاف؛ أي سنة الفطرة.

وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الذي نقله الخطَّابي هو الصَّواب فإنَّ في «صحيح البخاري» عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من السُّنَّة قصُّ الشَّارب ونتفُ الإبطِ وتقليم الأظفار ) )قال وأصحُّ ما فسَّر الحديث بما جاء في روايةٍ أخرى لاسيَّما في البخاريِّ، انتهى، وقد تبعَه الشَّيخ ابن الملقِّن على هذا.

وقال الحافظُ العسقلانيُّ ولم أر الَّذي قاله في شيءٍ من نسخِ البخاري بل الذي فيه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ «الفطرة» ، وكذا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، نعم وقع التَّعبير بالسُّنَّة موضع الفطرة في حديثِ عائشة رضي الله عنها عند أبي عَوَانة في روايةٍ، وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنَّسائي وغيرهما.

وقال الرَّاغب أصلُ الفَطْر _ بفتح الفاء _ الشَّق طولًا، ويُطلق على الوَهْي، وعلى الاختراعِ وعلى الإيجاد، والفطرة الإيجاد على غير مثال. وقال أبو شامة أصلُ الفطرةِ الخلقة المبتدأة، ومنه {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يوسف 101] أي المبتدئ خلقهنَّ. وقوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ مولدٍ يولدُ على الفطرة ) ) [خ¦1358] أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارةٌ إلى قوله تعالى {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم 30] والمعنى أنَّ كلَّ أحدٍ لو ترك من وقت ولادته وما يؤدِّيه إليه نظره لأدَّاه إلى الدِّين الحق وهو التَّوحيد، ويؤيِّده قوله تعالى قبلها {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ} [الروم 30] وإليه يشيرُ ما في بقية الحديث من قوله (( فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ) )

ج 25 ص 197

والمراد بالفطرة في حديث الباب أنَّ هذه الأشياء إذا فُعِلت اتَّصف فاعلها بالفطرة الَّتي فطرَ الله العباد عليها، واستحبَّها لهم ليكونوا على أكمل الصِّفات وأشرفها سورة، انتهى. وقد ردَّ القاضي البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما وردَ في معناها وهو الاختراعُ والجِبِلَّة والدِّين والسُّنَّة، فقال هي السُّنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واتَّفقت عليها الشَّرائع، فكأنَّها أمر جِبلِّي فُطروا عليها، انتهى.

(قَصُّ الشَّارِبِ) من قصصت الشَّعر قطعته، ومنه طيرٌ مقصوصُ الجناح، والشَّارب هو الشَّعر النَّابت على الشَّفة العليا، واختلف في جانبيه، وهما السبالان [2] فقيل هما من الشَّارب ويُشرع قصُّهما معه، وقيل هما من جملة شعر اللِّحية، وأمَّا القصُّ فهو الَّذي في أكثر الأحاديث كما هنا. وفي حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث أنسٍ رضي الله عنه كذلك وكلاهما عند مسلم، وكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي [خ¦5889] .

ووردَ الخبر بلفظ «الحلق» وهي رواية النَّسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عُيينة بسندٍ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه جمهور أصحاب ابن عُيينة بلفظ «القصِّ» ، ووقع عند النَّسائي من طريق سعيد المقبُري عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ تقصير الشَّارب. نعم وقع الأمر بما يشعرُ بأنَّ رواية الحلق محفوظةٌ كحديث العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم بلفظ (( جزُّوا الشَّوارب ) ). وحديث ابنِ عمر رضي الله عنهما المذكور في «باب إعفاء اللِّحى» بلفظ (( انهكوا الشَّوارب ) ) [خ¦5893] وحديثه أيضًا في «باب تقليم الأظفار» بلفظ (( أحفُّوا الشَّوارب ) ) [خ¦5892] فهذه الألفاظ تدلُّ على أنَّ المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأنَّ الجَزَّ وهو _ بالجيم والزاي المشددة _، قصُّ الشَّعر والصَّرف إلى أن يبلغَ الجلد، والإحفاء _ بالمهملة والفاء _ الاستقصاء، ومنه حتَّى أحفوه بالمسألة. قال أبو عبد الله الهرويُّ معناه ألزقوا الجزَّ بالبشرة.

وقال الخطابيُّ هو بمعنى الاستقصاء، والنَّهك _ بالنون والكاف _ المبالغة في الإزالة، ومنه في الكلام

ج 25 ص 198

على الختان قوله صلى الله عليه وسلم للخافضة (( أشمِي ولا تنهكِي ) )أي لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللُّغة. وقال ابن بطَّال النَّهك التَّأثير في الشَّيء وهو غير الاستئصال.

قال النَّوويُّ المختار في قصِّ الشَّارب أنَّه يقصُّه حتَّى يبدوَ طرف الشَّفة ولا يحفُّه من أصله، وأمَّا رواية «أحفوا» فمعناها أزيلوا ما طال على الشَّفتين. قال ابنُ دقيق العيد ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارًا منه لمذهب مالك. قال الحافظ العسقلانيُّ إنَّه صرَّح في «شرح المهذب» بأنَّ هذا مذهبنا. وقال الطحاويُّ ذهب قومٌ من أهل المدينة إلى أنَّ قصَّ الشَّارب هو المختار على الإحفاء، وأراد بالقوم هؤلاء سالمًا، وسعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، وجعفر بن الزُّبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث، فإنَّهم قالوا المستحبُّ هو أن يختارَ قصَّ الشَّارب على إحفائه. وإليه ذهب حميد بن هلال، والحسن البصري، ومحمَّد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وهو مذهبُ مالك أيضًا. وقال الطَّحاويُّ أيضًا لم أرَ عن الشَّافعي في ذلك شيئًا منصوصًا، وأصحابه الَّذين رأيناهم كالمزني والرَّبيع كانوا يحفُّون وما أظنُّهم أخذوا ذلك إلَّا عنه.

وقال القاضي عياض وذهب كثيرٌ من السَّلف إلى منع الحلق والاستئصال في الشَّارب، وهو مذهب مالك أيضًا، وكان يرى حلقه مُثْلَة ويأمر بأدب [3] فاعله، وكان يكره أن يأخذَ من أعلاه، والمستحبُّ أن يأخذَ منه حتَّى يبدو الإطار وهو طرف الشَّفة. وقال ابنُ القاسم عن مالك إحفاء الشَّارب عندي مُثْلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشَّارب حتَّى يبدوَ حرف الشَّفتين. وقال أشهبُ سألت مالكًا عن من يُحفي شاربه، فقال أرى أن يُوجَع ضربًا، وقال لمن يحلق شاربه هذه بدعةٌ ظهرت في النَّاس، انتهى.

وقال الطحاويُّ وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا بل يستحبُّ إحفاء الشَّوارب ونراه أفضل من قصَّها، أراد بقوله الآخرون جمهور السَّلف منهم أهل الكوفة ومكحول ومحمَّد بن عجلان ونافع مولى ابن عمر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، فإنَّهم قالوا المستحبُّ إحفاء الشَّوارب وهو أفضل من قصِّها. وروي ذلك من فعل ابن عمر وأبي سعيدٍ الخدريِّ ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أُسيد وعبد الله بن عَمرو، ذكر ذلك كلَّه ابنُ أبي شيبة بإسناده إليهم.

ج 25 ص 199

وأغرب ابن العربيِّ فنقل عن الشَّافعيِّ أنَّه يستحبُّ حلق الشَّارب، وليس ذلك معروفًا عند أصحابه. وقال الأثرمُ كان أحمد يُحفي شاربه إحفاءً شديدًا ونصَّ على أنَّه أولى من القصِّ. وقال القرطبيُّ قصُّ الشَّارب أن يأخذَ ما طال عن الشَّفة بحيث لا يؤذي الأكل ولا يجتمعُ فيه الوسخ، قال والجزُّ والإحفاء هو القصُّ المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك، قال وذهب الكوفيُّون إلى أنَّه الاستئصال وبعضُ العلماء إلى التَّخيير.

قال الحافظ العسقلانيُّ هو الطَّبري فإنَّه حكى قول مالك وقول الكوفيِّين، ونقل عن أهل اللُّغة أنَّ الإحفاء الاستئصال ثمَّ قال دلَّت السُّنَّة على الأمرين ولا تعارض، فإنَّ القصَّ يدلُّ على أخذ البعض والإحفاء يدلُّ على أخذ الكلِّ وكلاهما ثابتٌ فيتخيَّر فيما شاء. وقال ابنُ عبد البر إنَّ الإحفاء محتملٌ [4] لأخذ الكلِّ والقصُّ مفسِّرٌ للمراد، والمفسَّر مقدَّمٌ على المجمل، انتهى. ويُرجَّح قول الطَّبريِّ ثبوت الأمرين معًا في الأحاديث المرفوعة، فأمَّا الاقتصار على القصِّ ففي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ضِفْتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم وكان بشاربي وفاء فقصَّه على سواك. أخرجه أبو داود، واختلف في المراد بقوله على سواكٍ، فالرَّاجح أنَّه وضع سواكًا عند الشَّفة تحت الشَّعر فأخذ الشَّعر بالمقص، وقيل المعنى قصُّه على أثر سواك؛ أي ما بعد تسوك. ويؤيِّده الأوَّل ما أخرجه البيهقيُّ (( فوضع السِّواك تحت الشَّارب وقصَّ عليه ) ).

وأخرج البزَّار من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلًا وشاربه طويلٌ، فقال (( ائتوني بمقصٍّ وسواكٍ، فجعل السِّواك على طرفه، ثمَّ أخذَ ما جاوزه ) ). وأخرج التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما وحسَّنه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يقصُّ شاربه. وأخرج البيهقيُّ والطَّبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني، قال رأيتُ

ج 25 ص 200

خمسةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصُّون شواربهم أبو أُمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وعُتبة بن عوف السُّلمي، والحجَّاج بن عامر الثُّمالي، وعبد الله بن بُسر.

وأمَّا الإحفاء ففي رواية ميمونة بنت مهران عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس، فقال إنَّهم يوفون سِبَالهم ويحلقون لحاهُم فخالفوهم، قال فكان ابنُ عمر رضي الله عنهما يستعرمُ سبلتَه فيجزُّها كما يجزُّ الشَّاة والبعير. أخرجهُ الطَّبريُّ والبيهقي. وأخرجا من طريق عبيد الله بن أبي رافع قال رأيت أبا سعيدٍ الخدريَّ رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أُسيدٍ الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع، ينهكون شواربهم كالحلق. لفظ الطَّبري، وفي رواية البيهقيِّ يقصُّون شواربهم مع طرف الشَّفة.

وأخرج الطَّبريُّ من طرقٍ عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنَّهم يحلقون شواربهم، وقد تقدَّم أثر ابنِ عمر أنَّه كان يحفي شاربه حتَّى ينظرَ إلى بياض الجلد [خ¦5888 قبل] لكن كلُّ ذلك محتملٌ؛ لأن يرادَ استئصال جميع الشَّعر النَّابت على الشَّفة العليا، ومحتملٌ لأن يرادَ استئصال ما يُلاقي حمرة الشَّفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيَّتها نظرًا إلى المعنى في مشروعيَّة ذلك، وهو مخالفةُ المجوس، والأمنُ من التَّشويش على الأكل وبقاء زُهُومة المأكول فيه، وكلُّ ذلك يحصلُ بما ذُكِرَ وهو الَّذي يجمعُ مفترق الأخبار الواردة في ذلك.

وبذلك جزم الدَّاوديُّ في شرح أثر ابن عمر المذكور وهو مقتضى تصرُّف البخاري؛ لأنَّه أورد أثر ابن عمر، وأورد بعده حديثه وحديث أبي هريرة في قصِّ الشَّارب [خ¦5889] فكأنَّه أشار إلى أنَّ ذلك هو المراد من الحديث. وعن الشَّعبيِّ أنَّه كان يقصُّ شاربه حتَّى يظهر حرف الشَّفة العليا، وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزعُ ما قارب الشَّفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك. قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا أعدلُ ما وقفت عليه من الآثار، وقد أبدى ابنُ العربي لتخفيف شعر الشَّارب معنى لطيفًا، فقال إنَّ الماء النَّازل من الأنف يتلبَّد به الشَّعر لما فيه من اللزوجة فيعسر تنقيتُه عند غسله، وهو بإزاء حاسَّةٍ شريفةٍ، وهي الشَّمُّ فشُرِعَ تخفيفه ليتمَّ الجمال والمنفعة به،

ج 25 ص 201

وذلك يحصلُ بتخفيفه ولا يستلزمُ إحفاءهُ وإن كان أبلغ، وقد رجَّح الطَّحاويُّ الحلق على القصِّ بتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التَّقصير في النُّسك، ووهَّى ابن التَّين الحلق بقوله صلى الله عليه وسلم (( ليس منَّا من حلق ) ).

وكلاهما احتجاجٌ بالخبر في غيرِ ما ورد فيه ولاسيَّما الثَّاني، ويُؤخذُ ممَّا أشار إليه ابنُ العربي مشروعيَّة تنظيف داخل الأنف وأخذ شعرهِ إذا طال. وقد روى مالك عن زيد بن أسلم أنَّ عمر رضي الله عنه كان إذا غضبَ فتل شاربه فدلَّ على أنهَّ كان يوفره. وحكى ابنُ دقيق العيد عن بعض الحنفيَّة أنَّه قال لا بأسَ بإبقاء الشَّوارب في الحرب إرهابًا للعدوِّ وزيفه.

تذييل قال النَّوويُّ يستحبُّ أن يبدأَ في قصِّ الشَّارب باليمين ويتخيَّر بين أن يقصَّ بنفسه أو يُولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مروءةٍ، بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمةٍ بخلاف العانة. قال الحافظ العسقلانيُّ محلُّ ذلك حيث لا ضرورة، وأمَّا من لا يُحسن الحلق فقد يُباح له إن لم يكن له زوجةٌ تُحسن الحلق أن يستعينَ بغيره بقدر الحاجة لكن محلُّ هذا إذا لم يجد ما يتنوَّر به، فإنَّه يغني عن الحلق ويحصلُ به المقصود، وكذا من لا يقوى على النَّتف ولا يتمكَّن من الحلق إذا استعانَ بغيره في الحلق لم يهتك المروءة من أجل الضَّرورة، وهذا لمن لم يقوَ على التَّنوُّرِ، من أجل أنَّ النُّورة تُؤذي الجلد الرَّقيق كجلد الإبط، وقد يُقال مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذين والأنثيين. وأمَّا الأخذ من الشَّارب فينبغي فيه التَّفصيل بين من يُحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوَّه وبين من لا يحسن فيستعين بغيره، ويلحقُ به من لا يجدُ مرآة ينظرُ وجهه فيها عند أخذه.

وقال النَّوويُّ تنادي أصل السُّنَّة بأخذ الشَّارب بالمقصِّ وبغيره، وتوقَّف ابنُ دقيق العيد في قرضه بالسنِّ، ثمَّ قال من نظرَ إلى اللَّفظ منع، ومن نظر إلى المعنى أجازَ. وقال ابنُ دقيق العيد لا أعلم أحدًا

ج 25 ص 202

قال بوجوب قصِّ الشَّارب من حيث هو هو، واحترزَ بذلك عن وجوبه لعارضٍ حيث يتعيَّن كما تقدَّمت الإشارة إليه في كلام ابن العربيِّ، وكأنَّه لم يقفْ على كلام ابنِ حزم في ذلك، فإنَّه قد صرَّح بوجوبه، وكذا بوجوب إعفاء اللِّحية.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.

[1] في هامش الأصل في نسخة حدثنا مكي بن إبراهيم.

[2] في هامش الأصل السبلة الشارب والجمع السبال.

[3] كذا العمدة ولعلها بتأديب.

[4] في هامش الأصل في نسخة مجمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت