5889 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله بن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (حَدَّثَنَا) أي قال سفيان حدَّثنا الزُّهري فهو من تقديم الرَّاوي على الصِّيغة وهو شائعٌ ذائعٌ، وقد رواه الحُميديُّ عن سفيان قال سمعت الزُّهري. أخرجه أبو عَوانة وأبو نُعيم في «مستخرجيهما» من طريقه، ورواه أحمد عن سفيان عن الزُّهري بالعنعنة، وكذا أخرجه مسلمٌ عن أبي بكر بن شيبة وغير واحدٍ وأبو داود عن مسدَّد كلُّهم عن سفيان.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (رِوَايَةً) هي كنايةٌ عن قول الرَّاوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحوها، وقول الرَّاوي روايةً أو يرويهِ أو يبلغ به، ونحو ذلك محمولٌ على الرفع. وقد وقعَ في رواية مسدَّد يبلغُ به النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيَّن أحمد في روايته أنَّ سفيان كان تارةً يكنِّي وتارةً يصرِّح. وسيأتي في الباب الَّذي يليه من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن الزُّهري بلفظ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم [خ¦5891] ، ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزُّهري زيادة أبي سلمة مع سعيد بن المسيب في السَّند، أخرجه أبو الشَّيخ.
(الْفِطْرَةُ خَمْسٌ) أي خمسة أشياء، كذا قال العينيُّ، والأولى أن يفسَّر بقولنا خمس خصالٍ، بالإضافة أو خصالٌ خمس على أنَّه صفة موصوف مقدَّر (أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) شكٌّ من الرَّاوي، وسُوِّغَ الابتداء بالنَّكرة في قوله (( خمسٌ من الفطرة ) )على حملها على الوصف أو الإضافة، ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، والتَّقدير الَّذي شرع لكم خمسٌ من الفطرة، والتَّعبير في بعض الرِّوايات بالسُّنَّة بدل الفطرة يدلُّ على أنَّ المراد بها الطَّريقة، لا التي تقابل الواجب.
وقد جزم بذلك الشَّيخ أبو حامد والماورديُّ وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر (( عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين ) ). وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي، فقال عندي أنَّ الخصالَ الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإنَّ المرءَ لو تركها لم تبقَ صورته على صورة الآدميين،
ج 25 ص 203
فكيف من جملة المسلمين، كذا قال في «شرح الموطأ» . وتعقَّبه أبو شامة بأنَّ الأشياء التي مقصودُها مطلوبٌ لتحسين الخلق وهي النَّظافة لا يحتاجُ إلى ورود أمر إيجاب للشَّارع فيها، اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرَّد النَّدب إليها كاف. ونقل ابنُ دقيق العيد عن بعض العلماء أنَّه قال دلَّ الخبر على أنَّ الفطرة بمعنى الدِّين، والأصل فيما أضيف إلى الشَّيء أنَّه منه أن يكون من أركانه لا من زوائده حتَّى يقومَ دليلٌ على خلافه، وقد ورد الأمر باتِّباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وثبتَ أنَّ هذه الخصال أمر بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكلُّ شيءٍ أمر الله باتِّباعه فهو على الوجوب لمن أُمر به، وتُعقِّب بأنَّ وجوب الاتباع لا يقتضِي وجوب كلِّ متبوعٍ فيه، بل يتم الاتباع بالامتثال، فإن كان واجبًا على المتبوع كان واجبًا على التَّابع أو ندبًا فندبٌ، فيتوقف ثبوتُ وجوب هذه الخصال على الأمَّة على ثبوت كونها كانت واجبةً على الخليل عليه الصلاة والسلام.
(الْخِتَانُ) بكسر المعجمة وتخفيف المثناة الفوقية مصدر ختنَ؛ أي قطع، والخَتْن _ بفتح ثم سكون _ قطع عضوٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوص. ووقع في رواية يونس عند مسلم الاختتان، والختان اسمٌ لفعل الخاتن، ولموضع الختان أيضًا كما في حديث عائشة رضي الله عنها (( إذا التقى الختانان ) )والأوَّل المراد هنا. قال الماورديُّ ختان الذَّكر قطع الجلدة التي تغطِّي الحشفة، والمستحبُّ أن تُستَوعب من أصلها عند أوَّل الحشفة، وأقلُّ ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشَّى به شيءٌ من الحشفة. وقال إمام الحرمين المستحقُّ في الرِّجال قطع القلفة، وهي الجلدةُ التي تغطِّي الحشفة حتَّى لا يبقى من الجلدة شيءٌ متدلٍّ. وقال ابن الصَّبَّاغ حتَّى تنكشفَ جميع الحشفة. وقال ابنُ كجِّ فيما نقله الرَّافعي يتأدَّى الواجب بقطع شيءٍ ممَّا فوق الحشفة، وإن قلَّ بشرط أن يستوعبَ القطع تدوير رأسها. قال النَّوويُّ وهو شاذٌ والأوَّل المعتمد.
ج 25 ص 204
قال الإمام والمستحقُّ من ختان المرأة ما ينطلقُ عليه الاسم. وقال الماورديُّ ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مَدخل الذَّكر كالنواة، أو كعرف الدِّيك، والواجبُ قطعُ الجلدة المستعلية منه دون استئصاله.
وقد أخرج أبو داود من حديث أمِّ عطيَّة أنَّ امرأةً كانت تختن بالمدينةِ، فقال لها النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تُنْهِكي فإن ذلك أحظي للمرأة ) )وقال إنَّه ليس بالقويِّ. قال الحافظ العسقلانيُّ وله شاهدان من حديث أمِّ أيمن رضي الله عنهما عند أبي الشَّيخ في «كتاب العقيقة» ، وآخر عن الضَّحَّاك بن قيس عند البيهقيِّ. قال النَّوويُّ ويسمَّى ختان الرَّجل إعذارًا _ بذال معجمة _ وختان المرأة خفضًا _ بخاء وضاد معجمتين _، وقال أبو شامة كلام أهلِ اللُّغة يقتضي تسميةُ الكلِّ إعذارًا، والخفضُ يختصُّ الأنثى. قال أبو عبيدة عذرتُ الجارية والغلام، وأعذرتهما ختنتَهُما واختنْتَهُما وزنًا ومعنى. قال الجوهريُّ والأكثر خفضتُ الجارية. قال ويزعم العرب أنَّ الغلام إذا ولد في القمر فُسِخَت قلفَتُه؛ أي اتَّسعت فصار كالمختون.
وقد استحبَّ العلماء من الشَّافعيَّة فيمن ولد مختونًا أن يمرَّ بالموسى على موضعِ الختان من غير قطعٍ. قال أبو شامة وغالبُ من يولد كذلك لا يكون ختانه تامًّا بل يظهرُ طرف الحَشَفة، فإنَّ كان ذلك وجب تكميلُه. وأفاد الشَّيخ أبو عبد الله بن الحاج في «المدخل» أنَّه اختلف في النِّساء هل يخفضْنَ عمومًا أو يُفرَّق بين نساء المشرق فيُخْفضنَ، ونساء المغرب فلا يخفضْنَ لعدم الفضلةِ المشروع قطعها منهنَّ بخلاف نساء المشرق؟ قال فمن قال إنَّ من ولد مختونًا استحبَّ إمرار الموسى على الموضع امتثالًا للأمر، قال في حقِّ المرأة كذلك ومن لا فلا، وقد ذهبَ إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب
ج 25 ص 205
الشَّافعيُّ وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتَّى قال لو أسلم الكبير لم يتمَّ إسلامه حتَّى يُختنَ. وعن أحمد وبعض المالكيَّة يجبُ، وعن أبي حنيفة واجبٌ وليس بفرضٍ وعنه سنَّة يأثمُ بتركه. وفي وجهٍ للشَّافعيَّة لا يجب في حقِّ النِّساء وهو الَّذي أورده صاحب «المغني» عن أحمد، وذهب أكثر العلماء وبعض الشَّافعيَّة إلى أنَّه ليس بواجبٍ، ومن حجَّتهم حديث شدَّاد بن أوس رفعه (( الختان سنَّة للرِّجال مكرمةً للنِّساء ) )وهذا لا حجَّة فيه لما تقرَّر أنَّ لفظ السُّنَّة إذا ورد في الحديث لا يُراد به الَّتي تقابل الواجب لكن لمَّا وقعت التَّفرقة بين الرِّجال والنِّساء في ذلك دلَّ على أنَّ المرادَ افتراق الحكم. وتُعقِّب بأنَّه لم ينحصر في الوجوب فقد يكون في حقِّ الذكور آكد منه في حقِّ النِّساء أو يكون في حقِّ الرِّجال للنَّدب، وفي حقِّ النِّساء للإباحة على أنَّ الحديث لا يثبتُ؛ لأنَّه من رواية حجَّاج بن أرطاة ولا يحتجُّ به، أخرجه أحمد والبيهقيُّ لكن له شاهدٌ أخرجه الطَّبرانيُّ في «مسند الشاميين» من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وسعيد مختلف فيه. وأخرجه أبو الشَّيخ والبيهقي من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأخرجهُ البيهقيُّ أيضًا من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه.
واحتجُّوا أيضًا بأنَّ الخصال المنتظمة مع الختان ليست واجبة إلَّا عند بعض من شدَّد فلا يكون الختان واجبًا. وأُجيب بأنَّه لا مانع أن يرادَ بالفطرة والسُّنَّة في الحديث القدر المشترك الَّذي يجمع الوجوب والنَّدب، وهو الطَّلب المؤكَّد فلا يدلُّ ذلك على عدم الوجوب ولا ثبوته فيطلب الدَّليل من غيره، وأيضًا فلا مانع من جمعِ المُخْتلفَي الحكم بلفظ أمرٍ واحدٍ كما في قوله تعالى {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام 141] فإيتاء الحقِّ واجبٌ، والأكلُ مباحٌ، هكذا تمسَّك به جماعة.
وتعقَّبه
ج 25 ص 206
الفاكهانيُّ في «شرح العمدة» فقال الفرق بين الآية والحديث أنَّ الحديث تضمَّن لفظة واحدة استعملت في الجميع، فتعيَّن أن يحملَ على أحد الأمرين الوجوب أو النَّدب بخلاف الآية، فإنَّ صيغة الأمر تكرَّرت فيها، والظَّاهر الوجوب فصُرِفَ في أحد الأمرين بدليلٍ وبقي الآخر على الأصل، وهذا التَّعقُّب إنَّما يتمُّ على طريقة من يمنع استعمال اللَّفظ الواحد في معنيين، وأمَّا من يجيزه كالشَّافعيَّة فلا يَرِدُ عليهم. واستدلَّ من أوجب الاختتان بأدلَّة
الأوَّل أنَّ القلفة تَحْبس النَّجاسة فتمنعُ صحَّة الصَّلاة كمن أمسك نجاسةً بفمه، وتعقِّب بأن الفم في حكم الظَّاهر بدليل أنَّ وضع المأكول فيه لا يفطر الصَّائم بخلاف داخل القلفة، فإنَّه في حكم الباطن، وقد صرَّح أبو الطَّيِّب الطَّبريُّ بأنَّ هذا القدر عندنا مغتفر.
الثاني ما أخرجه أبو داود من حديث كُليب جد عُثَيم بن كَثير أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له (( ألقِ عنك شعرَ الكفرِ واختتن ) )مع ما تقرَّر أنَّ خطابه للواحد يشملُ غيره حتَّى يقومَ دليل الخصوصيَّة، وتُعقِّب بأنَّ سند الحديث ضعيفٌ، وقد قال ابنُ المنذر لا يثبتُ فيه شيءٌ.
الثالث جواز كشفِ العورة من المختون، وسيأتي أنَّه إنَّما شرعَ لمن بلغَ أو شارف البلوغ، وجواز نظر الخاتنِ إليها وكلاهما حرامٌ، فلو لم يجبْ لما أُبيحَ ذلك، وأقدم من نقل عنه الاحتجاج بهذا أبو العباس بن سُريج نقله عنه الخطَّابي وغيره.
وذكر النَّوويُّ أنَّه رآه في كتاب «الودائع» المنسوب لابن سُريج، قال ولا أظنُّه يثبتُ عنه، قال أبو شامة وقد عبَّر عنه جماعةٌ من المصنفين بعده بعباراتٍ مختلفة كالشَّيخ أبي حامد، والقاضي الحسين وأبي الفرج السَّرخسي، والشيخ في «المهذب» . وتعقَّبه القاضي عياض بأنَّ كشفَ العورة مباحٌ لمصلحة الجسم والنَّظر إليها يباحُ للمداواة وليس ذلك واجبًا إجماعًا، وإذا جاز في المصلحة الدُّنيويَّة كان في المصلحة الدِّينية أولى. وقد استشعر
ج 25 ص 207
القاضي حسين هذا فقال فإن قيل قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الإنصات للخطبة بالتَّشاغل بركعتي التَّحتية، وكترك القيام في الصَّلاة بسجود التِّلاوة، وككشف العورة للمداواة مثلًا، وأجاب عن الأوَّلين ولم يجبْ عن الثالث، وأجاب النَّوويُّ بأنَّ كشف العورة لا يجوز لكلِّ مداواة فلا يتمُّ المراد، وقوَّى أبو شامة الإيراد بأنَّهم جوزوا الغاسلَ للميِّت أن يحلقَ عانة الميِّت، ولا يتأتَّى ذلك للغاسل إلَّا بالنَّظر واللَّمس وهما حرامان، وقد أُجيزا لأمر مستحبٍّ.
الرابع احتجَّ أبو حامد وأتباعه كالماورديِّ بأنَّه قطعُ عضوٍ لا يُسْتخلف من الجسد تعبُّدًا فيكون واجبًا كقطع اليد في السَّرقة، وتعقِّب بأنَّ قطع اليد إنَّما أبيح في مقابلة جرمٍ عظيمٍ فلم يتمَّ القياس.
الخامس قال الماورديُّ في الختان إدخال ألمٍ عظيمٍ على النَّفس، وهو لا يُشرع إلَّا في إحدى ثلاث خصالٍ لمصلحةٍ أو عقوبةٍ أو وجوبٍ وقد انتفى الأولان فثبت الثالث. وتعقَّبه أبو شامة بأنَّ في الختان عدَّة مصالح كمزيد الطَّهارة والنَّظافة، فإنَّ القلفة من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذمُّهم للأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدرٌ وله وليمةٌ خاصَّةٌ به، وأقرَّ الإسلام ذلك.
السَّادس قال الخطابيُّ محتجًّا بأنَّ الختان واجبٌ بأنَّه من شِعَار الدين، وبه يُعرفُ المسلم من الكافر حتَّى لو وُجِدَ مختونٌ بين جماعة قتلى غير مختونين، صُلِّىَ عليه ودُفنَ في مقابر المسلمين. وتعقَّبه أبو شامة بأنَّ شعائر الدِّين ليست كلها واجبةٌ، وما ادَّعاه في المقتولِ مردودٌ؛ لأنَّ اليهود وكثيرًا من النَّصارى يختتنونَ، فليقيِّد ما ذُكِرَ في القرنية؛ يعني فقد بطل دليله.
السَّابع قال البيهقيُّ أحسنُ الحُجج أن يُحتجَّ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الَّذي في «الصَّحيح» مرفوعًا (( اختتنَ إبراهيم عليه الصَّلاة والسلام وهو ابنُ ثمانين سنةً بالقدوم ) ) [خ¦3356] ، وقد قال الله تعالى {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} )) [النحل 123] . وصحَّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الكلمات
ج 25 ص 208
الَّتي ابتلي بهنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام فأتمَّهنَّ خصال الفطرة ومنهنَّ الختان، والابتلاء غالبًا إنَّما يقعُ بما يكون واجبًا.
وتعقِّب بأنَّه لا يلزم ما ذُكِر إلَّا إن كان إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام فعله على سبيل الوجوب، فإنَّه من الجائز أن يكون فعله على سبيل النَّدب، فيحصل امتثال الأمر باتِّباعه على وفق ما فعله، وقد قال الله تعالى في حقِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف 158] وقد تقرَّر في الأصول أنَّ أفعاله بمجرَّدها لا يدلُّ على الوجوب، وأيضًا فباقي الكلمات العشر ليست واجبة. وقال الماورديُّ إنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يفعلُ ذلك في مثل سنِّه إلَّا عن أمرٍ من الله تعالى، انتهى.
وما قاله بحثًا قد جاء منقولًا، فأخرج أبو الشَّيخ في «العقيقة» من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يختتنَ وهو حينئذٍ ابن ثمانين سنة فعجل واختتنَ بالقَدُومِ، فاشتدَّ عليه الوجع، فدعا ربَّه فأوحى الله إليه إنَّك عجَّلت قبل أن نأمرَكَ بآلته، قال يا ربِّ كرهتَ أن أؤخِّر أمرك. قال الماورديُّ القدومُ جاء مشددًا ومخففًا، وهو الفأسُ الَّذي اختتنَ به، وذهب غيره إلى أنَّ المراد به مكان يسمَّى القَدُوم. قال أبو عبيدٍ الهرويُّ في «الغريبين» يقال هو كان مَقِيْلَهُ، وقيل اسم قريةٍ بالشَّام. وقال أبو شامة هو موضعٌ بالقربِ من القرية الَّتي فيها قبره، وقيل بقرب حلب، وجزم غير واحدٍ أنَّ الآلةَ بالتخفيف. وصرَّح ابن السِّكيت بأنَّه لا يشدِّد، وأثبت بعضُهم الوجهين في كلٍّ منهما.
ووقع عند أبي الشَّيخ من طريقٍ أخرى أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما اختتنَ كان ابن مئة وعشرين سنة، وأنَّه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأوَّل أشهر وهو أنَّه اختتنَ ابن ثمانين وعاش بعدها أربعين، والغرض أنَّ الاستدلالَ بذلك متوقِّفٌ على أنَّه إن كان في حقِّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام واجبًا، فإن ثبتَ ذلك استقامَ الاستدلال به، وإلَّا فالنَّظر باقٍ،
ج 25 ص 209
واختُلف في الوقت الذي يُشرع فيه الختان. قال الماورديُّ له وقتان وقتُ وجوبٍ ووقتُ استحباب، فوقتُ الوجوب البلوغ، ووقت الاستحباب قبله، والاختيار في اليوم السَّابع من بعد الولادة، وقيل من يوم الولادة، فإن أُخِّر ففي الأربعين يومًا، فإن أُخِّر ففي السنة السَّابعة، فإن بلغَ وكان نضوًا نحيفًا يعلمُ من حاله أنَّه إن ختن تلف سقطَ الوجوب ويستحبُّ أن لا يؤخِّر عن وقت الاستحباب إلَّا لعذرٍ.
وذكر القاضي حسين أنَّه لا يجوز أن يُختنَ الصَّبي حتَّى يصيرَ ابن عشر سنين؛ لأنَّه حينئذٍ يؤمر بضربهِ على ترك الصَّلاة وألم الختان فوقَ ألم الضَّرب، فيكون أولى بالتَّأخير، وزيَّفه النَّووي في «شرح المهذب» . وقال إمامُ الحرمين لا يجبُ قبل البلوغ لأنَّ الصَّبي ليس من أهل العبادة المتعلِّقة بالبدن فكيف مع الألم، قال ولا يرد وجوب العدَّة على الصَّغيرة الصَّبية؛ لأنَّه لا يتعلَّق به تعبٌ بل هو مضى في زمان محضٍّ. وقال أبو الفرج السَّرخسيُّ في ختن الصَّبي وهو صغيرٌ مصلحة من جهة أنَّ الجلد بعد التَّمييز يغلظ ويخشنُ، فمن ثمَّة جوَّز الأئمة الختان قبل ذلك. ونقل ابنُ المنذر عن الحسن ومالك كراهية الختان في اليوم السَّابع لأنَّه فعل اليهود، وقال مالك يحسن إذا أثغر؛ أي إذا ألقى ثغره، وهو مقدَّم أسنانه وذلك يكون في السَّبع السِّنين وما حولها، وعن اللَّيث يستحبُّ ما بين سبع سنين إلى عشر، وعن أحمد لم أسمع فيه شيئًا.
وأخرج الطَّبراني في «الأوسط» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال سبعٌ من السُّنَّة في الصَّبيِّ يسمَّى في السَّابع ويختتنُ. وأخرج أبو الشَّيخ من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن ابن المنكدر أو غيره عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ختن حسنًا وحسينًا رضي الله عنهما لسبعة أيَّامٍ. قال الوليد فسألت مالكًا عنه، فقال لا أدري، ولكنَّ الختانَ طهرةٌ فكلَّما قدَّمها كان أحبَّ إليَّ. وأخرج البيهقيُّ حديث جابر رضي الله عنه، وأخرج أيضًا من طريق موسى بن علي
ج 25 ص 210
عن أبيه أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ختنَ إسحاق وهو ابنُ سبعة أيام. وقد نقلَ الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في «المدخل» أنَّ السُّنَّة إظهار ختان الذَّكر وإخفاء ختان الأنثى، وقد مرَّ في أبواب «الوليمة» من «كتاب النِّكاح» مشروعيَّة الدَّعوة في الختان [خ¦5166 وما بعده] .
وما أخرجه أحمد من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص أنَّه دعي إلى ختانٍ، فقال ما كنَّا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نُدعى له. فأخرجه أبو الشَّيخ في روايةٍ أخرى، فبيَّن أنَّه كان ختان جارية، والله تعالى أعلم.
(وَالاِسْتِحْدَادُ) أي وثانيها الاستحداد بالمهملة استفعالٌ من الحديد، والمراد استعمال الموسى في حلق الشَّعر من مكانٍ مخصوصٍ من الجسد. قيل وفي التَّعبير بهذه اللَّفظة مشروعيَّة الكناية عمَّا يُستحيَى منه إذا حصل الإفهام بها، وأغنى عن التَّصريح، والَّذي يظهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة. وقد وقع في رواية النَّسائي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه هنا التَّعبير بحلق العانة، وكذا في حديث عائشة وحديث أنسٍ رضي الله عنهما عند مسلم. قال النَّوويُّ المراد بالعانة الشَّعر الَّذي فوق ذَكَرِ الرَّجل وحواليه وكذلك الشَّعر الذي حوالي فرج المرأة.
ونقل عن أبي العباس بن سُريج أنَّه الشعر النَّابت حول حلقة الدُّبر، فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدُّبر وحولهما. قال وذكر الحلق لكونه الأغلب وإلَّا فيجوزُ الإزالة بالنَّورة والنَّتف وغيرهما. وقال أبو شامة العانة الشَّعر النَّابت على الرَّكَب _ بفتح الراء والكاف _ وهو ما انحدرَ من البطن فكان تحت الثَّنْية وفوق الفرج، وقيل لكلِّ فخذٍ ركب، وقيل ظاهر الفرج، وقيل الفرج نفسه سواءٌ كان من رجلٍ أو امرأةٍ.
قال ويستحبُّ إماطة الشَّعر عن القبل والدُّبر، بل هو من الدُّبر أولى خوفًا من أن يعلقَ شيءٌ من الغائط ولا يزيله المستنجي إلَّا بالماء ولا يتمكَّن من إزالتهِ بالاستجمار، قال ويقوم التَّنَوُّر مكان الحلق، وكذلك النَّتف والقصُّ. وقد سُئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراضِ؟ فقال أرجو أن يُجزئ، قيل فالنَّتف؟ فقال وهل يقوى
ج 25 ص 211
على هذا أحدٌ. وقال ابن دقيق العيد قال أهل اللُّغة العانة الشَّعر النَّابت على إسته، وقيل هو منبت الشَّعر، قال وهو المراد في الخبر. وقال أبو بكر بن العربيِّ شعر العانة أولى الشُّعور بالإزالة؛ لأنَّه يكثف ويتلبَّد فيه الوسخ بخلاف شعر الإبط.
قال وأمَّا حلق ما حول الدُّبر فلا يشرع. وكذا قال الفاكهي في «شرح العمدة» أنَّه لا يجوز، كذا قال، ولم يذكر للمنع شيئًا مستندًا، والَّذي استندَ إليه أبو شامة قويٌّ بل ربَّما يصور الوجوب في حقِّ من تعيَّن ذلك في حقِّه كمن لم يجد من الماء إلَّا القليل، وأمكن أن لو حلق الشَّعر أن لا يعلق به شيءٌ من الغائطِ يحتاج معه إلى غسلهِ وليس معه ماءٌ زائدٌ على قدر الاستنجاء. وقال ابنُ دقيق العيد كأنَّ الَّذي ذهب إلى استحباب حلقِ ما حول الدُّبر ذكره بطريق القياس، قال والأولى في إزالة الشَّعر هنا الحلق اتِّباعًا ويجوز النَّتف بخلاف الإبط، فإنَّه بالعكس؛ لأنَّه يحتبسُ تحته الأبخرة بخلاف العانة والشَّعر من الإبط بالنَّتف يضعفُ وبالحلق يقوى، فجاء الحكم في كلٍّ من الموضعين بالمناسب.
وقال النَّوويُّ وغيره السُّنَّة في إزالةِ شعر العانة الحلقُ بالموسى في حقِّ الرجل والمرأة معًا، وقد ثبت الحديث الصَّحيح [خ¦5079] عن جابر رضي الله عنه في النَّهي عن طروق النِّساء ليلًا حتَّى تمتشط الشَّعِثة وتستحدَّ المغيبة، لكن يتأدَّى أصل السُّنَّة بالإزالة بكلِّ مزيلٍ. وقال النَّووي أيضًا والأولى في حقِّ الرَّجل الحلق، وفي حقِّ المرأة النَّتف، واستشكل بأنَّ فيه ضررًا على المرأة بالألم، وعلى الزَّوج باسترخاء المحلِّ، فإنَّ النَّتف يرخي المحل باتِّفاق الأطبَّاء.
ومن ثمَّة قال ابنُ دقيق العيد إنَّ بعضَهم مال إلى ترجيح الحلق في حقِّ المرأة؛ لأنَّ النَّتف يُرخي المحلَّ، لكن قال ابن العربيِّ إن كانت شابة فالنَّتف في حقِّها أولى؛ لأنَّه يربو مكان النَّتف وإن كانت كهلةً فالأولى في حقِّها الحلق؛ لأنَّ النَّتف يرخي المحل. ولو قيل
ج 25 ص 212
الأولى في حقِّها التَّنوُّر مطلقًا لما كان بعيدًا. وحكى النَّووي في وجوبِ الإزالة عليها إذا طلب الزَّوج منها ذلك وجهين أصحُّهما الوجوب، ويفترق الحكم في نتفِ الإبط وحلق العانة أيضًا في أنَّ نتفَ الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاهُ الأجنبيُّ بخلاف حلق العانة فيحرم إلَّا في حقِّ من يباح له المسُّ والنَّظر كالزوج والزَّوجة. وأمَّا التَّنور فسئل عنه أحمد فأجازه وذكر أنَّه يفعله، وفيه حديثٌ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أخرجه ابنُ ماجه والبيهقيُّ، ورجاله ثقاتٌ، ولكن أُعلَّ بالإرسال. وأنكر أحمد صحَّته ولفظه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طلا وَلِيَ عانته بيده، ومقابله حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنوَّر، وكان إذا كثر شعره حَلَقَه، ولكن سنده ضعيفٌ جدًا.
(وَنَتْفُ الإِبْطِ) أي وثالثها نتفُ الإبط، وفي رواية الكُشميهني بالجمع، والإبط بكسر الهمزة والموحدة وبسكونها وهو المشهور، وصوَّبه الجواليقيُّ وهو يذكَّر ويؤنث، وتأبَّط الشيء وضعَه تحتَ إبطهِ، والمستحبُّ البداءةُ باليمين، ويتأدَّى أصل السُّنَّة بالحلقِ ولاسيَّما من يؤلمه النَّتف. وقد أخرج ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعي» عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشَّافعيِّ ورجلٌ يحلقُ إبطه، فقال إنِّي علمتُ أنَّ السُّنَّة النَّتف، ولكن لا أقوى على الوجع.
قال الغزاليُّ هو في الابتداء موجعٌ ولكنَّه يسهلُ على من اعتاده، قال والحلق كافٍ لأنَّ المقصود النَّظافة، وتعقِّب بأنَّ الحكمة في نتفه أنَّه محلُّ الرَّائحة الكريهة، وإنَّما ينشأُ ذلك من الوسخ الذي يجتمعُ بالعرق فيه فيتلبَّد ويهيجُ فتكثر الرائحة لذلك.
وقال ابن دقيق العيد من نظر إلى اللَّفظ وقف مع النَّتف، ومن نظرَ إلى المعنى أجازه بكلِّ مزيلٍ، لكن يتبيَّن أنَّ النَّتف مقصودٌ من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدَّم، قال وهو معنى ظاهر لا يُهمل، فإنَّ مورد النصِّ إذا احتمل معنى مناسبًا يحتمل أن يكون مقصودًا في الحكم لا يُترك، والَّذي يقوم مقام النَّتف
ج 25 ص 213
في ذلك التَّنوُّر، لكنَّه يُرِقُّ الجلد فقد يتأذَّى صاحبه به ولاسيَّما إذا كان جلدُه رقيقًا، ويستحبُّ في إزالتهِ البداءةُ باليمنى، ويزيل ما في اليمنى بأصابع اليسرى، وكذا اليسرى إن أمكن وإلَّا فباليمنى.
(وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) أي ورابعها تقليم الأظفار، وهو تفعيلٌ من القلم، وهو القطعُ، ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما كما في حديث الباب في رواية، ووقع في حديثه في الباب الَّذي يليه بلفظ (( تقليم ) ) [خ¦5890] ، وفي حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما (( قصُّ الأظفار ) )والتَّقليم أعمُّ. والأظفار جمع ظُفُر _ بضم الظاء والفاء وبسكونها _ وحكي عن أبي زيد كسر أوله، وأنكره ابنُ سِيْده. وقد قيل إنَّه قراءة الحسن، وعن أبي السَّمَّاك أنَّه قرأ بكسر أوله وثانيه، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظُّفر؛ لأنَّ الوسخ يجتمعُ فيه فيستقذرُ، وقد ينتهي إلى حدٍّ يمنع من وصول الماء إلى ما يجبُ غسله في الطَّهارة.
وقد حكى أصحاب الشَّافعي فيه وجهين فقطع المتولِّي بأنَّ الوضوء حينئذٍ لا يصحُّ، وقطع الغزاليُّ في «الإحياء» بأنَّه يُعفى عن مثل ذلك، واحتجَّ بأنَّ غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يَرِدْ في شيءٍ من الآثار أمرهم بإعادة الصَّلاة، وهو ظاهرٌ لكن قد يعلقُ بالظُّفر إذا طال النَّجْوُ لمن استنجى بالماء ولم يمعن غسله فيكون إذا صلَّى حاملًا للنَّجاسة.
وقد أخرج البيهقي في «الشعب» من طريق قيس بن أبي حازم قال صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة فأُوْهِم فيها، فسُئل فقال (( ما لي لا أُوْهَم ورُفْغُ أحدكُم بين ظُفْره وأنملتِهِ ) )رجاله ثقاتٌ مع إرساله، وقد وصله الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر. والرُّفْغ بضم الراء وفتحها وبسكون الفاء بعدها غين معجمة، يجمع على أرفاغ، وهي مغابنُ الجسدِ كالإبط وما بين الأنثيين والفخذين وكلُّ موضعٍ يجتمعُ الوسخ فيه فهو من تسمية الشَّيء باسم ما جاورهُ، والتَّقدير وسخ رفغ أحدكُم.
والمعنى أنَّكم لا تقلِّمون أظفاركم، ثمَّ تحكون بها أرفاغكُم،
ج 25 ص 214
فيتعلَّق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة، قال أنكر عليهم طول الأظافر وترك قصِّها، وفيه إشارةٌ أيضًا إلى النَّدب إلى تنظيفِ المغابن كلِّها، ويستحبُّ الاستقصاء في إزالتها إلى حدٍّ لا يدخل منه ضررٌ على الإصبع، واستحبَّ أحمد للمسافر أن يبقي شيئًا لحاجته إلى الاستعانة بذلك غالبًا.
ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القصِّ شيءٌ من الأحاديث، لكن جزم النَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّه يستحبُّ البداءة بمسبحة اليمنى ثمَّ بالوسطى ثمَّ البنصر ثمَّ الخنصر ثمَّ الإبهام، وفي اليسرى البداءة بخنصرها ثمَّ بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر ولم يذكر للاستحباب مستندًا.
وقال في «شرح المهذب» بعد أن نقل ذلك عن الغزاليِّ، وأنَّ المازريَّ اشتدَّ إنكاره عليه فيه لا بأس بما قاله الغزالي إلَّا في تأخير إبهام اليد اليمنى، فالأولى أن يقدِّم اليمنى بكمالها على اليسرى. قال وأمَّا الحديث الَّذي ذكره الغزاليُّ فلا أصل له، انتهى.
وقال ابنُ دقيق العيد يحتاج من ادَّعى استحباب تقديم اليد في القصِّ على الرِّجل إلى دليل، فإنَّ الإطلاق يأبى عن ذلك. وقال الحافظ العسقلانيُّ يمكن أن يؤخذَ بالقياس على الوضوء والجامع التَّنظيف، وتُؤخذ البداءة باليمنى بحديث عائشة رضي الله عنها الَّذي مرَّ في «الطَّهارة» [خ¦168] «كان يعجبه التَّيمُّن في طهوره وترجُّله وفي شأنه كلِّه» .
والبداءة بالمسبِّحة منها لكونها أشرف الأصابع؛ لأنَّها آلة التَّشهُّد وأمَّا اتِّباعها بالوسطى، فلأنَّ غالب من يقلم أظفاره يقلمها من قبل ظهر الكفِّ، فتكون الوسطى جهة يمينه، ويستمر إلى أن يختم بالخنصر ثمَّ يكمل اليد بقصِّ الإبهام، وأمَّا في اليسرى فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمرَّ على جهة اليمين إلى الإبهام.
قال الشَّيخ زين الدين العراقي في «شرح الترمذي» وكان ينبغي أن لو أخَّر إبهام
ج 25 ص 215
اليمنى ليختم بها، ويكون قد استمرَّ على الانتقال إلى جهة اليمين، ولعلَّ الأوَّل لحظ فصل كلِّ يدٍ عن الأخرى. وهذا التَّوجيه في اليدين يعكِّر على ما نقله في الرِّجلين إلَّا أن يُقال غالب من يقلِّم أظفارَ رجليه يقلِّمها من جهة باطنِ القدمين فيستمر التَّوجيه.
وقد قال صاحب «الإقليد» قضيَّة الأخذ في ذلك بالقياس أنَّ يبدأ بخنصر اليمنى إلى أن ينتهيَ إلى خنصر اليسرى في اليدين والرِّجلين معًا، وكأنَّه لحظ أنَّ القصَّ يقعُ في باطن الكفَّين أيضًا. وذكر الدِّمياطيُّ أنَّه تلقَّى عن بعض المشايخ أنَّ من قصَّ أظفاره مخالفًا لم يُصبه رمدٌ، وأنَّه جرب ذلك مدَّةً طويلةً، وقد نصَّ أحمد على استحباب قصِّها مخالفًا، وبين ذلك أبو عبد الله بن بطَّة من أصحابهم فقال يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة ويبدأ بإبهام اليسرى على العكس من اليمين.
وقد أنكر ابنُ دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزاليُّ ومن تبعه، وقال كلُّ ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليلَ عليه، وهو عندي قبيح بالعالِم، ولو تخيَّل متخيِّل أن البداءةَ لمسبحة اليمنى من أجل شرفها فبقية الهيئة لا يُتخيَّل فيه ذلك. نعم البداءة بيمنى اليدين وبيمنى الرجلين له أصل وهو كان يعجبه التَّيامن، انتهى.
ثمَّ اعلم أن تقليمَ الأظفار لا يتوقَّت، والضَّابط في ذلك الاحتياج فأي وقت يحتاج إلى تقليمه يقلمه. وأخرج البيهقيُّ من مرسل أبي جعفر الباقر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحبُّ أن يأخذَ من أظفاره يوم الجمعة.
وقال الحافظُ العسقلاني ولم يثبتْ في استحباب قصِّ الظُّفر يوم الخميس حديث. وقد أخرجه جعفرٌ المستغفري بسندٍ مجهولٍ، وأقربُ ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقيُّ من مرسل أبي جعفر الباقر. وسُئل أحمد عنه فقال يسنُّ يوم الجمعة قبل الزَّوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخيَّر، وهذا هو المعتمدُ أنَّه يستحبُّ كيف ما احتاج إليه.
وأخرج مسلم من حديث أنس رضي الله عنه وُقِّت لنا
ج 25 ص 216
في قصِّ الشَّارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يُترك أكثر من أربعين يومًا. كذا فيه «وُقِّت» على البناء للمفعول، وأخرجه أصحاب «السنن» بلفظ وقَّت لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وأشار العُقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضُّبعي تفرَّد به وفي حفظه شيءٌ. وصرَّح ابن عبد البر بذلك فقال لم يروه غيره وليس بحجَّة.
وتُعقِّب بأنَّ أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن ثابت، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقالٌ لكن تبيَّن أنَّ جعفرًا لم ينفرد به.
وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق علي بن زيد بن جُدعان عن أنس رضي الله عنه، وعلي أيضًا فيه ضعف، وأخرجه ابنُ عدي عن ثابت من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري عن ثابت عن أنس رضي الله عنه، لكن أتى فيه بألفاظ مُستغربة قال أن يحلق الرَّجل عانته كلَّ أربعين يومًا، وأن ينتفَ إبطه كلَّما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة. وعبد الله مجهولٌ.
قال القرطبيُّ في «المفهم» ذكر الأربعين تحديدٌ لأكثر المدَّة لا يمنع تفقَّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضَّابط في ذلك الاحتياج، وكذا قال النَّووي المختار أن ذلك كله يضبطُ بالحاجة. وقال في «شرح المهذب» ينبغي أن يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وقال الحافظ العسقلانيُّ لكن لا يُمنع من التَّفقد يوم الجمعة، فإنَّ المبالغة في التَّنظيف فيه مشروع، وفي «سؤالات مهنا عن أحمد» قلت له ما يأخذُ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يُلقيه؟ قال يدفنه، قلت بلغك فيه شيء؟ قال كان ابن عمر رضي الله عنهما يدفنه، وروي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشَّعر والأظفار، وقال (( لا يتلعَّبُ به سَحَرةُ بني آدم ) ). وهذا الحديث أخرجه البيهقيُّ من حديث وائل بن حُجر، واستحب أصحابنا دفنها لكونها جزأً من
ج 25 ص 217
الآدمي.
ولو قصَّ أظفاره فقصَّ بعضًا وترك بعضًا أبدى فيه ابنُ دقيق العيد احتمالًا من منع لبس إحدى النَّعلين وترك الأخرى، كما تقدَّم في بابه [خ¦5856] ، والله تعالى أعلم.
تتمة روى ابن الجوزي من حديث عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( من قلَّم أظفاره يوم السبت خرج منه الدَّاء ودخل فيه الشِّفاء، ومن قلَّم أظفاره يوم الأحد خرجتْ منه الفاقة، ودخل فيه الغنى، ومن قلَّم أظفاره يوم الاثنين خرجت منه العلَّة، ودخل فيه الصِّحة، ومن قلَّم أظفاره يوم الثلاثاء خرجَ منه البرص، ودخل فيه العافية، ومن قلَّم أظفاره يوم الأربعاء خرجَ منه الوسواس والخوف، ودخل فيه الأمن والصِّحة، ومن قلَّم أظفاره يوم الخميس خرج منه الجذام، ودخل فيه العافية، ومن قلَّم أظفاره يوم الجمعة دخلت فيه الرَّحمة وخرجَ منه الذُّنوب ) )ثمَّ قال هذا حديث موضوعٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أقبحِ الموضوعات وأبردها، وفي سنده مجهولون ومتروكون وضعفاء.
تكميل اعلم أن بين قوله (( الفطرة خمس ) )وبين قوله (( أو خمس من الفطرة ) )تنافيًا بحسب الظاهر.
وقد وقع في رواية أحمد (( خمس من الفطرة ) )ولم يشكَّ، وكذا في رواية مَعمر عن الزُّهري عند الترمذي والنَّسائي، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد بالعكس، كما في الباب الذي يليه بلفظ (( الفطرة خمس ) ) [خ¦5891] .
وكذا في رواية يونُس بن يزيد، عن الزُّهري عند مسلمٍ والنَّسائيِّ. فقال ابنُ دقيق العيد دلالة «من» على التَّبعيض فيه أظهر من دَلالة هذه الرِّواية على الحصر، وقد ثبت في أحاديثٍ أُخرى زيادة على ذلك فدلَّ على أنَّ الحصر فيها غير مراد.
واختلف في النُّكتة في الإتيان بهذه الصِّيغة فقيل برفع الدَّلالة وأنَّ مفهوم العددِ ليس بحجَّةٍ، وقيل بل كان أَعْلَم أوَّلًا بالخمس ثمَّ أَعْلَمَ بالزِّيادة. وقيل
ج 25 ص 218
بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام، فذكر في كلِّ موضعٍ اللائق بالمخاطبين، وقيل أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه قوله (( الدِّين النَّصيحة ) ) [خ¦57 قبل] و (( الحجُّ عرفة ) )ونحو ذلك. ويدلُّ على التَّأكيد ما أخرجه التِّرمذي والنَّسائي من حديث زيد بن الأرقم مرفوعًا (( مَن لم يأخُذْ شاربَه فليس منَّا ) )وسنده قويٌّ. وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عَمرو المعافري نحوه، وزاد فيه (( حلق العانةِ، وتقليم الأظفَار ) ).
وذكر ابن العربيِّ أنَّ خصالَ الفطرة تبلغ ثلاثين خصلةً، فإن أراد خصوص ما ورد بلفظ «الفطرة» فليس كذلك، وإن أراد أعمَّ من ذلك فلا تنحصرُ في الثَّلاثين بل تزيد كثيرًا. وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في الباب الَّذي يليه فإنَّه لم يذكر فيه إلَّا ثلاثًا. وأخرجه الإسماعيليُّ في روايةٍ له بلفظ (( ثلاثٌ من الفطرة ) )، وأخرجه في رواية أخرى بلفظ (( من الفطرة ) )فذكر الثَّلاث وزاد (( الختان ) ).
وفي رواية مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (( عشرٌ من الفطرة ) )فذكر الخمس الَّتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه إلَّا الختان وزاد (( إعفاء اللِّحية والسِّواك والمضمضةُ والاستنشاقُ وغسل البراجِم والاستنجاء ) )أخرجهُ من رواية مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزُّبير عنها، لكن قال في آخره أنَّ الرَّاوي نسي العاشرة إلَّا أن يكون المضمضة. وقد أخرجه أبو عَوَانة في «مستخرجه» بلفظ (( عشرٌ من السُّنَّة ) )وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق.
وأخرجه النسائيُّ من طريق سليمان التَّيمي قال سمعتُ طلق بن حبيبٍ يذكر عشرةٌ من الفطرة، فذكر مثله إلَّا أنَّه قال وشككتُ في المضمضة. وأخرجهُ أيضًا من طريق أبي بشر عن طَلق قال من السُّنَّة عشرٌ فذكره، إلَّا أنَّه ذكر الختان، بدل غسل البراجم. ورجَّح النَّسائي الرِّواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة.
قال الحافظ العسقلانيُّ والذي يظهر لي
ج 25 ص 219
أنَّها ليست بعلَّةٍ قادحةٍ، فإنَّ راويها مصعب بن شيبة وثَّقه ابن معين والعجليُّ وغيرهما، وليَّنه أحمد وأبو حاتم وغيرهما فحديثه حسنٌ. وله شواهد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيرهُ، فالحكم بصحَّته من هذه الحيثيَّة سائغٌ.
وقول سليمان التَّيمي سمعتُ طلق بن حبيب يذكرُ عشرًا من الفطرة يحتملُ أن يريد أنَّه سمعه يذكرها من قِبَل نفسه على ظاهر ما فهمه النَّسائي، ويحتمل أن يريد أنَّه سمعه يذكرها ويسندَها، فحذف سليمان السَّند. وقد أخرج أحمدُ وأبو داود وابن ماجه من حديث عمَّار بن ياسر مرفوعًا نحو حديث عائشة رضي الله عنها قال (( من الفِطرة المضمضةُ والاستنشاق والسِّواك وغسلُ البراجم والانتضاح ) )وذكر الخمس الَّتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ساقه ابن ماجه، وأمَّا أبو داود فأحال به على حديث عائشة رضي الله عنها.
ثمَّ قال ورُوِي نحوه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقال (( خمسٌ في الرَّأس ) )وذكر منها «الفرق» ، ولم يذكر إعفاء اللِّحية، كأنَّه يشيرُ إلى ما أخرجه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» والطبريُّ من طريقه بسندٍ صحيحٍ عن طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة 124] قال ابتلاهُ الله بالطَّهارة خمسٌ في الرَّأس، وخمسٌ في الجسد. فذكر مثل حديث عائشة رضي الله عنها كما في الرِّواية التي تقدَّمت عن أبي عَوَانة ولم يشكَّ في المضمضة، وذكر أيضًا «الفَرْقَ» بدل إعفاء اللِّحية.
وأخرجه ابنُ أبي حاتم من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فذكر غُسل الجمعة، بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال الَّتي وردتْ في هذه الأحاديثِ خمسَ عشرة خصلة، اقتصر أبو شامة في كتاب «السِّواك» ، وما أشبه ذاك [1] على اثنتي عشرة. وزاد النَّووي واحدةً في «شرح مسلم» فلا بأس في تفسير العشر الزَّائدة على الخمس الواردة،
ج 25 ص 220
فأمَّا الوضوء والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء والسِّواك وغسل الجمعة، فقد تقدَّم شرحها في «كتاب الطَّهارة» ، وأمَّا إعفاء اللِّحية فسيأتي في الباب الَّذي يليه [خ¦5893] ، وأمَّا الفرق، فيأتي بعد أبواب [خ¦5917] .
وأمَّا غسيل البراجم فهو بالموحدة والجيم، جمع بُرجُمة _ بضمتين _ وهي عُقَد الأصابع التي في ظهر الكفِّ. وقال الخطابيُّ هي المواضع التي تتَّسخ ويجتمع فيها الوسخُ ولا سيَّما ممَّن لا يكون طريَّ البدن. وقال الغزاليُّ كانت العرب لا تغسلُ اليد عقب الطَّعام فيجتمعُ في تلك الغضون وسخٌ فأمر بغسلها. قال النَّوويُّ وهي سنَّةٌ مستقلَّةٌ ليست مختصَّة بالوضوء؛ يعني إنَّما يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتَّنظيف. قال وقد ألحقَ بها إزالةَ ما يجتمعُ من الوسخ في معاطف الأُذُن وقعر الصِّماخ، قال في إبقائهِ أضرار بالسَّمع، انتهى.
وقد أخرج ابنُ عدي من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أمر بتعاهدِ البراجمِ عند الوضوء ) )لأنَّ الوسخ إليها سريعٌ. وفي رواية الترمذيِّ الحكيم من حديث عبد الله بن بُسر رفعه (( قُصُّوا أظفاركُم، وادفِنوا قُلاماتكم، ونَقُّوا براجمكُم ) )وفي سنده راوٍ مجهول. وفي رواية أحمد من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أبطأَ جبريل عليه السَّلام على النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال ولم لا يُبطئ عنِّي وأنتم لا تستنُّون؛ أي لا تستاكونَ، ولا تقصُّون شواربَكُم، ولا تنقُّون رواجبكم ) ).
والرَّوَاجب جمع راجبة _ بجيم وموحدة _. قال أبو عبيد البراجمُ والرَّواجب مفاصلُ الأصابع كلِّها. وقال ابنُ سِيْده البُرجمةُ المفصل الباطن عند بعضهم، والرَّواجب بواطن مفاصل أصولِ الأصابع، وقيل قصبةُ الأصابع، وقيل هي ظهورُ السُّلاميات، وقيل ما بين البراجمِ من السُّلاميات. وقال ابن الأعرابيِّ الرَّاجبة البقعة الملساءُ التي بين البراجم، والبراجم المسبِّحات من مفاصل الأصابع، وفي كلِّ إصبعٍ ثلاث برجمات إلَّا الإبهام فلها برجمتان. وقال الجوهريُّ الرَّواجب
ج 25 ص 221
مفاصل الأصابع اللَّاتي تلي الأنامل ثمَّ البراجمُ ثمَّ الأشاجعُ اللَّاتي على الكفِّ. وقال أيضًا الرَّواجع رؤوسُ السُّلاميات من ظهر الكفِّ إذا قبض القابضُ كفَّه نشزت وارتفعت، والأشاجع أصول الأصابع التي تتَّصل بعصبِ ظاهر الكفِّ، واحدها أشجع، وقيل هي عروقُ ظاهر الكفِّ.
وأمَّا الانتضاحُ فقال أبو عبيدٍ الهرويُّ هو أن يأخذَ قليلًا من الماء فينضحُ به مَذاكيره بعد الوضوء لينفيَ عنه الوسواس. وقال الخطابيُّ انتضاحُ الماء الاستنجاء، وأصله من النَّضح وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلةٌ واحدةٌ، وعلى الأوَّل فهو غيره ويشهدُ له ما أخرجه أصحاب «السُّنن» من رواية الحكم بن سفيان الثَّقفي أو سفيان بن الحكم عن أبيه أنَّه رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ ثمَّ أخذَ حفنةً من ماءٍ فانتضحَ بها. وأخرج البيهقيُّ من طريق سعيد بن جُبير أنَّ رجلًا أتى ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فقال إنِّي لأجدُ بللًا إذا قمتُ أصلِّي، فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما انضح بماءٍ فإذا وجدتَ من ذلك شيئًا فقل هو منهُ.
وأمَّا الخصالُ الواردة في المعنى لكن لم يَرِدْ التَّصريح فيها بلفظ «الفطرة» فكثيرةٌ منها ما أخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي أيوب رضي الله عنه رفعه (( أربعٌ من سنن المرسلين الحنَّاء والتَّعطُّر والسِّواك والنِّكاح ) )واختلف في ضبط الحناء، فقيل بفتح المهملة والتحتانية الخفيفة. وقد ثبت في «الصحيحين» أنَّ الحياء من الإيمان [خ¦24] ، وقيل بكسر المهملة وتشديد النون، فعلى الأوَّل هي خصلةٌ معنويَّةٌ تتعلَّق بتحسين الخُلُق. وعلى الثَّاني هي خصلةٌ حسِّيَّةٌ تتعلَّق بتحسين البدن.
وأخرج البزَّار والبغوي في «معجم الصَّحابة» ، والحكيم التِّرمذي في «نوادر الأصول» من طريق مَليح بن عبد الله الخَطَمي عن أبيه عن جدِّه رفعه (( خمسٌ من سنن المرسلين ) )فذكر الأربعة المذكورة إلَّا النِّكاح وزاد (( الحلم والحجامة ) ).
والحِلْم بكسر المهملة وسكون اللام،
ج 25 ص 222
وهو ما يقوِّي الضبط الأوَّل في حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه، وإذا تُتبِّع ذلك من الأحاديث كثُر العدد، ويتعلَّق بهذه الخصال مصالح دينيَّة ودنيويَّة تُدرك بالتتبُّع منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملةً وتفصيلًا، والاحتياط للطَّهارتين والإحسان إلى المخالط والمقارن بكشف ما يتأذَّى به من رائحةٍ كريهةٍ، ومخالفة شعار الكفَّار من المجوس واليهود والنَّصارى وعبَّاد الأوثان، وامتثال أمر الشَّارع والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك.
وكأنَّه قيل قد حسَّنت صُوركم فلا تشوِّهُوها بما يقبِّحها، أو حافظوا على ما يستمرُّ به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظةٌ على المروءة، وعلى التَّآلف المطلوب؛ لأنَّ الإنسان إذا بدأ في الهيئة الجميلةِ كان ادعى لانبساط النَّفس إليه، فيُقبل قوله، ويُحمد رأيه، والعكس بالعكس، والله الموفِّق.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وقصُّ الشَّارب ) )، وقد أخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة» ، وكذا أبو داود والنَّسائي وابن ماجه.
[1] في هامش الأصل وما أشبه ذاك من تتمة التسمية.