فهرس الكتاب

الصفحة 1487 من 11127

937 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ)

ج 5 ص 127

التَّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ) مذهب الشافعيِّ أنَّه متعلِّقٌ بالظهر أيضًا [1] ، ومذهب الحنفيَّة أنَّه مختصٌّ بالمغرب على ما هو مقتضى القاعدة الأصوليَّة، وسيجيء ما يتعلَّق بذلك إن شاء الله تعالى.

(وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لاَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) من المسجد إلى بيته (فَيُصَلِّي فِيْهِ رَكْعَتَيْنِ) قال ابن بطَّال إنَّما أعاد ابن عمر رضي الله عنهما ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلِّي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر.

قال والحكمة فيه أنَّ الجمعة لما كانت بدل الظُّهر ويُقتَصر فيها على ركعتين ترك التَّنفُّل بعدها في المسجد خشية أن يُتوهَّم أنَّها التي حذفت.

وقد أجاز مالكٌ الصَّلاة بعد الجمعة في المسجد للنَّاس ولم يجزه للأئمة، وقال ابن بطَّال اختلف العلماء في الصَّلاة بعد الجمعة فقالت طائفة يصلِّي بعدها ركعتين في بيته كالتطوُّع بعد الظهر، رُوِي ذلك عن عمر وعمران بن حُصَين رضي الله عنهما والنخعي.

وقال مالك إذا صلَّى الإمام الجمعة فينبغي أن لا يركع في المسجد؛ لما رُوِي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد.

قال ومَنْ خلفه أيضًا إذا سلَّموا فأحبُّ أن ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد وإن ركعوا فذاك واسع، وقالت طائفةٌ يصلِّي بعدها ركعتين ثمَّ أربعًا، رُوِي ذلك عن عليٍّ وابن عمر وأبي موسى رضي الله عنهم وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف، إلَّا أنَّ أبا يوسف استحبَّ أن يقدِّم الأربع قبل الرَّكعتين.

وقال الشافعيُّ ما أكثرَ المصلِّي بعد الجمعة من التطوُّع فهو أحبُّ إليَّ، وقالت طائفةٌ يصلِّي بعدها أربعًا لا يفصل بينهنَّ بسلامٍ، رُوِي ذلك عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه وعلقمة والنخعيُّ وهو قول أبي حنيفة وإسحاق رحمهم الله.

حجَّة الأوَّلين حديثُ ابنِ عمر أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يصلِّي بعد الجمعة إلَّا ركعتين في بيته، قال المهلَّب وهما الرَّكعتان بعد الظهر.

وحجَّة الطَّائفة الثَّانية ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال صلَّيت مع ابن عمر رضي الله عنهما الجمعة فلمَّا سلَّم قام فركع ركعتين ثمَّ صلَّى أربع ركعات ثمَّ انصرف.

ووَجْهُ قول أبي يوسف ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مُسهِر عن خرشة بن الحر أنَّ عمر رضي الله عنه كره أن يُصلَّي بعد صلاة مثلها.

ج 5 ص 128

وحجة الطائفة الثالثة ما رواه ابن عُيينة عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( من كان منكم مصلِّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا ) )، وقد مرَّ ذكره [2] .

قيل وينبغي أن يفصل بين الصَّلاة التي بعد الجمعة وبينها ولو بنحو كلام أو تحوُّل؛ لأنَّ معاوية رضي الله عنه أنكر على من صلَّى سنة الجمعة في مقامها وقال إذا صلَّيت الجمعة فلا تصلِّها بصلاةٍ حتَّى تخرج أو تتكلم، رواه مسلم.

وأمَّا الصلاة قبل الجمعة فأقوى ما يستدلُّ به على مشروعيَّتها عموم ما صحَّحه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مرفوعًا (( ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان ) ).

وعند أبي داود وقال هو مرسل عن أبي قتادة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كره الصلاة نصف النهار إلَّا يوم الجمعة وقال (( إنَّ جهنم تسجر إلَّا يوم الجمعة ) ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله رواه الشافعيُّ عن شيخه إبراهيم، وفي «الأوسط» للطبرانيِّ من حديث أبي عبيدة عن أبيه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلِّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.

وعند ابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركع قبل الجمعة أربعًا لا يفصل في شيءٍ منهنَّ.

ورواه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» برجال ابن ماجه، وهي رواية بقيَّة عن مبشر بن عبيد عن حجاج بن أرطاة عن عطيَّة العَوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فزاد فيها وبعدها أربعًا.

قال النوويُّ في «الخلاصة» هذا حديثٌ باطلٌ اجتمعَ فيه هؤلاء الأربعة وهم ضعفاء، ومبشر وضاع صاحب أباطيل.

وقال العينيُّ بقية بن الوليد موثق ولكنَّه مدلس، وحجَّاج صدوق روى له مسلم مقرونًا بغيره، وعطية قال فيه يحيى بن معين صالح، ولكن ضعَّفهما الجمهور.

ثمَّ إنَّه قد احتجَّ النووي في «الخلاصة» على إثبات الصَّلاة قبل الجمعة بما في بعض طرق حديث الباب عند أبي داود وابن حبَّان من طريق أيُّوب عن نافع قال كان ابن عمر رضي الله عنهما يطيل الصَّلاة قبل الجمعة ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك.

وتُعقِّب بأنَّ قوله «كان يفعل ذلك» عائد إلى قوله «ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته» ، ويدلُّ له رواية اللَّيث عن نافع عن عبد الله أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجدَ سجدتين، ثمَّ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعلُ ذلك، رواه مسلمٌ على أنَّ قوله «كان يفعلُ ذلك» إذا كان عائدًا إلى قوله «يطيل الصَّلاة قبل الجمعة» أيضًا فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصحُّ أن يكون مرفوعًا؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج إذا زالت الشمس

ج 5 ص 129

فيشتغل بالخطبة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت، فذلك مطلق نافلةٍ لا صلاة راتبة فلا حجَّة فيه لسنَّة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفُّل مطلق، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.

وقال صاحب «تنقيح المقنع» من الحنابلة ولا سنَّة لجمعة قبلها نصًّا، ولا بعدها.

هذا وأمَّا سنة الظهر، فسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى [خ¦1171] ، وأمَّا سنة المغرب فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال ما أُحصي ما سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الرَّكعتين قبل صلاة الفجر بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدْ} ، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.

وأخرج الترمذيُّ أيضًا من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال حفظت من النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر ركعاتٍ ... الحديث، وفيه ركعتين بعد المغرب في بيته.

واتَّفق عليه الشَّيخان من رواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفي هذا الباب عن عبد الله بن جعفر عند الطبرانيِّ في «الأوسط» .

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أبي داود، وعن أبي أُمامة رضي الله عنه عند الطبرانيِّ في «الكبير» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عند النسائيِّ وابن ماجه.

وهاتان الرَّكعتان بعد المغرب من السُّنن المؤكدة وبالغ بعض التَّابعين فيهما، فروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم الأسديِّ، عن سعيد بن جبير قال لو تركت الرَّكعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفرَ لي.

وقد شذَّ الحسن البصريُّ فقال بوجوبهما، ولم يقل مالكٌ بشيءٍ من التَّوابع للفرائض إلَّا ركعتي الفجر، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال من صلَّى بعد المغرب أربعًا كان كالمعقب غزوة بعد غزوة.

وروى أيضًا عن مكحول قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من صلَّى ركعتين بعد المغرب _ يعني قبل أن يتكلَّم _ رُفِعت صلاته في علِّيين ) ).

قال «شارح الترمذي» وهذا لا يصحُّ لإرساله، وأيضًا فلا يُدرى من القائل (( يعني قبل أن يتكلَّم ) ).

وقال العينيُّ رواه متصلًا أبو الشَّيخ ابن حيان في كتاب «الثواب وفضائل الأعمال» من رواية مقاتل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( ما من صلاة أحبُّ إلى الله من المغرب ... ) )الحديث، وفيه (( فمن صلَّاها ثمَّ صلَّى بعدها ركعتين قبل أن يتكلَّم جليسه رفعت صلاته في أعلى عليين ) ).

وهذا يصلح مستندًا لأصحابنا في استحبابهم اتِّصال السنن في الفرائض.

ج 5 ص 130

وقال «شارح الترمذي» وله وجهٌ في المغرب بسبب ضيق وقتها على القول بأنَّ وقتها ضيق على قول الشافعي في الجديد، ثمَّ المستحبُّ في ركعتي المغرب أن تكونا في بيته لظاهر الحديث، وكذلك سائر النوافل التابعة للفرائض أن تكون في البيت عند جمهور العلماء للحديث المتَّفق عليه (( أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة ) ) [خ¦731] .

وعند الثوريِّ ومالك نوافل النَّهار كلها في المسجد أفضل، وذهب ابن أبي ليلى إلى أنَّ سنة المغرب لا يجزئ فعلها في المسجد، وأمَّا سنة العشاء وهما الرَّكعتان بعدها فمن السُّنن المؤكدة.

وقد صحَّ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يدعهما، وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من صلَّى ركعتين بعد العشاء الأخيرة يقرأ في كلِّ ركعةٍ بفاتحة الكتاب وعشرين مرة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد} بنى الله عز وجل له قصرًا في الجنة ) )رواه أبو الشيخ ابن حيان، والله تعالى أعلم.

[1] قوله متعلق بالظهر أيضًا عائد على قوله «في بيته»

[2] هذه عبارة العيني في العمدة حيث ذكر الحديث في شرح ترجمة هذا الباب، ولكن المؤلف هنا رحمه الله اختصره هناك ولم يأتِ به والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت