فهرس الكتاب

الصفحة 7698 من 11127

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البُخاري نفسه (قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ) وقال الكِرماني صوابه في هذه المتابعة كما في بعض النسخ وأبو سلمة هذا هو موسى بن إسماعيل التَّبوذكي، وسعيد بن سَلَمَة، بالفتحات، ابن أبي الحسام العدوي المديني، مولى آل عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، يكنى أبا عمر، من رجال مسلم، روى عنه موسى بن إسماعيل، وهو حديثٌ واحدٌ حديثُ أمِّ زرع، وما له في البخاري إلَّا هذا الموضع.

(عَنْ هِشَامٍ) ويروى هو ابنُ عروة بن الزُّبير، روى عنه سعيدُ بن سلمة بهذا الإسناد. وقد وصله مسلم عن الحسن بن عليُ عن موسى بن إسماعيل، عن سعيد بن سلمة، عن هشام بن عروة، ولكنه لم يَسُقْ لفظَه بتمامه، بل ذَكَرَ أنَّ عِنده عيايًا، ولم يشك، وأنَّه قال (( وصِفْرُ رِدَائها، وخيرُ نِسَائها، وعُقْرُ جارتها ) )وقال (( ولا تُنَقِّثُ مِيْرَتنا تَنْقِيْثًا ) )وقال (( أعطاني من كلِّ رائحة ) )، وقد ذكر جميع ذلك.

ونبَّه عليه البخاري بقوله (وَلاَ تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا) وقد مرَّ الاختلاف في ضَبْطِه عن قريبٍ فقيل بالعين المهملة، وقيل بالمعجمة، وقد سقط من قوله إلى هنا في بعض النُّسخ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البُخاري نفسه أيضًا (وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَأَتَقَمَّحُ. بِالْمِيمِ، وَهَذَا أَصَحُّ) أشار به إلى أنَّه وقع في أصل روايته (( أتقنح ) )بالنون، وأنَّه بالميم أصح. وقد رواه بالميم من طريق عيسى بن يونس النَّسائي وأبو يعلى وابن حبَّان والجوزقي وغيرهم، وكذا وقع في رواية سعيدِ بن سَلَمة المذكورة، وفي رواية أبي عبيد أيضًا، وقد تقدم بيان الاختلاف في ضَبْطِها ومعناها.

وفي الحديث فوائد

منها حُسن عِشْرَة المَرْءِ أهلَه بالتَّأنيس والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يُفْض ذلك إلى ما يمنع. ومنها المزحُ أحيانًا وبسط النَّفس به، ومُدَاعبة الرجل أهلَه وإعلامُه بمحبَّته لها ما لم يؤدِّ ذلك إلى مفسدةٍ تترتب على ذلك من تجنيها عليه وإعراضِهَا عنه. ومنها منعُ الفخرِ بالمال،

ج 22 ص 578

وبيانُ جوازِ ذكرِ الفَضل بأمور الدِّين. ومنها إخبارُ الرجل أهلَه بصورةِ حاله معهم، وتذكيرهِم بذلك لاسيَّما عند وجود ما طُبِعْنَ عليه من كُفْرِ الإحسان. ومنها ذكرُ المرأة إحسانَ زوجها وشكرها عليه، ولذا ترجمَ عليه النَّسائي وخَرَّجَ معه في الباب حديثَ ابن عمر رضي الله عنهما (( لا ينظر الله إلى امرأةٍ لا تَشْكُرُ زوجها ) ). ومنها إكرامُ الرجل بعضَ نسائه بحضورِ ضرائرها بما يخصُّها به من قول أو فعلٍ، ومحله عند السَّلامة من الميل المفضي إلى الجَور. وقد تقدَّم في أبواب الهبة جواز تخصيصِ بعض الزَّوجات بالتُّحف واللُّطف إذا استوفى للأخرى حقَّها [خ¦2581] .

ومنها جواز تَحدُّث الرَّجل مع زوجتهِ في غير نوبتها. ومنها الحديثُ عن الأمم الماضية وضرب الأمثال بهم اعتبارًا. ومنها جوازُ الانبساط بذكر طُرَف الأخبار ومستطاباتِ النَّوادر وتنشيطِ النُّفوس. ومنها حضُّ النساء على الوفاءِ لبعولتهنَّ، وقصر الطَّرف عليهم والشُّكر لجميلهم ووصف المرأة زوجها بما تعرفُه من حسنٍ وسوء. ومنها جوازُ المبالغة في الأوصاف ومحلُّه إذا لم يصر ذلك دَيْدَنًا؛ لأنَّه يفضي إلى عَدَم المروءة. ومنها ذِكْرُ مَحاسن النِّساء للرِّجال إذا كنَّ مجهولات؛ بخلاف المعيَّنات فهذا منهيٌّ عنه لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنَّه ينظرُ إليها ) ).

ومنها ما قاله المهلَّب من أنَّ فيه التَّأسي بأهل الإحسان من كلِّ أمة، ألا ترى أنَّ أمَّ زَرْعٍ أخبرتْ عن أبي زَرْعٍ بجميل عشرتهِ، فامتثله النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي عياض وهذا عندي غيرُ مسَلَّم؛ لأنَّا لا نقول إنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدى بأبي زرعٍّ، بل أخبر أنَّه لها كأبي زَرْعٍ، وأعلم أن حالَه معها مِثْلَ حالِه لا على التَّأسي به، وأمَّا جواز التَّأسي بأهل الفضل والإحسان من كلِّ أمَّة فصحيحٌ ما لم تصادِمْه الشَّريعة.

ومنها مَدْحُ الرَّجُل في وجهه إذا عُلِمَ أنَّ ذلك غيرُ مُفْسِدٍ له ولا مغيِّرٍ نفسَه، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَظِنَّة كل مدحٍ ومُسْتَحَقٌّ كلِّ ثناءٍ، وأنَّ من أثنى عليه بما أثنى فهو فوق ذلك كلِّه. ومنها أنَّ كنايات الطَّلاق لا يقع بها الطَّلاق

ج 22 ص 579

إلَّا بالنية؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال (( كنتُ لك كأبي زرع ) )، ومن جملة أفعال أبي زرعٍ أنَّه طلَّق امرأته أمَّ زرعٍ ولم يقع على النَّبي صلى الله عليه وسلم طلاقٌ لتشبيهه؛ لكونه لم يَنْوِ الطَّلاقَ، وقد جاء في رواية (( إلَّا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق أمَّ زرع وأنا لم أطلِّقك ) ). ومنها جوازُ قول بأبي وأمي، ومعناه فداك أبي وأمِّي. ومنها أنَّ من شأن النِّساء إذا تحدَّثن أن لا يكون حديثهنَّ غالبًا إلَّا في الرِّجال؛ بخلاف الرِّجال فإنَّ غالب حديثهم إنَّما هو فيما يتعلَّق بالمعاش. ومنها جوازُ القول للمتزوج بالرَّفاء والبنين إن ثبتت اللَّفظة الزائدة أخيرًا، وقد تقدَّم البحث فيه قبل بأبواب.

ومنها جوازُ التَّكلم بالألفاظ الغريبة والأسجاعِ في الكلام إذا لم يكن متكلَّفًا، فإنَّ غالبَ ما ذُكِرَ في الحديث أُفْرِغَ في قالبِ الإسجاع، وأَتَى به الخاطرُ عَفْوًا بغير تكلُّف، وجاء لفظُه تابعًا لمعناه، منقادًا له غيرَ مُسْتَكْرَه ولا منافر، والله يمنُّ على من يشاءُ بما شاء لا إله إلَّا هو.

ثمَّ إنَّ هذا الحديثَ قد شرحه في جزء مفرد إسماعيلُ بن أبي أويس شيخُ البخاريِّ، وثابت بن قاسم، والزُّبير بن بكار، وأبو عبيد القاسم بن سلام في (( غريب الحديث ) )، وأبو محمد ابن قتيبة، وابن الأنباري، وإسحاق الكَاذِي، وأبو القاسم عبد الحليم بن حيان المصري، ثم الزَّمخشري في «الفائق» ، ثم القاضي عياض، وهو أجمعها وأوسعها، وسيِّدي علي الوفوي على طريق القوم أهل الإشارات.

ومطابقته للترجمة في الإحسان في معاشرةِ الأهل.

وقد أخرجه مسلم في الفضائل، والتِّرمذي في «الشمائل» ، والنَّسائي في عِشْرة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت