780 - (حَدَّثَنا عبدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) ظاهره أنَّ لفظهما واحدٌ لكن سيأتي في رواية محمَّد بن عَمرو عن أبي سلمة [خ¦782 بعد] مغايرة يسيرةٌ للفظ الزُّهريِّ، يرويان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وأبو داود والترمذي في (( الصَّلاة ) )أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ) أي إذا قال الإمام آمين، وهو ظاهرٌ في أنَّ الإمام يؤمِّن، كما هو مذهبُ الجمهور على ما سيأتي، وقيل معناه إذا دعا، والمراد دعاء الفاتحة من قوله (( {اهدنا} . .. إلى آخره ) )، وتسمية الدَّاعي مؤمِّنًا سائغة؛ لأنَّ المؤمن يسمَّى داعيًا، كما جاء في قوله تعالى {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس 89] .
وكان موسى داعيًا وهارون مؤمِّنًا، كما رواه ابن مَرْدَويه من حديث أنس، وتعقِّب بعدم الملازمة فلا يلزم من تسمية المؤمن داعيًا عكسه، قاله ابن عبد البرِّ على أنَّ الحديث في الأصل لم يصح، ولو صحَّ فإطلاق كون هارون داعيًا إنَّما هو للتَّغليب، وقيل معنى قوله (( أمَّن ) )بلغ موضع التَّأمين، كما يقال أنجد، إذا بلغ نجدًا وإن لم يدخلها.
قال ابنُ العربيِّ هذا بعيدٌ لغة وشرعًا، وقال ابنُ دقيق العيد هذا مجازٌ، فإن وجد دليل يرجِّحه عُمِل به، وإلَّا فالأصل عدمه واستدلُّوا له برواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرة الآتية بعد باب بلفظ (( إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين ) ) [خ¦782] قالوا فالجمع بين الرِّوايتين يقتضي حمل قوله (( إذا أمَّن ) )، على المجاز.
وقال الجمهورُ على تسليم المجاز المذكور إنَّ المراد بقوله (( إذا أمَّن ) )إذا أراد التَّأمين ليوافق تأمين الإمام والمأموم معًا ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها الإمام.
وقد ورد التَّصريح بأنَّ الإمام يقولها في رواية معمر عن ابن شهابٍ في هذا الحديث بلفظ (( إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين، فإنَّ الملائكة تقول آمين، وإنَّ الإمام يقول آمين ) )الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وهو صريحٌ في كون الإمام يؤمِّن.
وقيل في الجمع بينهما المراد بقوله (( إذا قال {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين ) )؛ أي ولو لم يقل الإمام آمين.
وقيل يؤخذُ من الخبرين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده، قاله الطَّبريُّ.
وقيل الأوَّل لمن قرب من الإمام، والثَّاني لمن تباعد عنه؛
ج 4 ص 444
لأنَّ جهر الإمام بالتَّأمين أخفض من جهره بالقراءة، فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه، فمن سمعَ تأمينه أمَّن معه، ومَن لا يسمعه يؤمِّن إذا سمعه يقول {وَلَا الضَّالِّينَ} لأنَّه وقتَ تأمينه، قاله الخطَّابي.
وهذه الوجوه كلُّها محتملةٌ والتَّرجيح للأوَّل من وجوه الجمع بين الرِّوايتين.
(فَأَمِّنُوا) أي فقولوا آمين، واستُدلَّ به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنَّه رتَّبه عليه بالفاء لكن تقدَّم في الجمع بين الرِّوايتين أنَّ المراد المقارنة، وبذلك قال الجمهور.
وقال الشَّيخ أبو محمد الجويني لا يستحبُّ مقارنة الإمام في شيءٍ من الصَّلاة غيره، قال إمام الحرمين يمكن تعليله بأنَّ التَّأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه فلذلك لا يتأخَّر عنه، وهو واضحٌ.
ثمَّ إنَّ هذا الأمر عند الجمهور للنَّدب، وحكى ابن بَزِيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال وأوجبه الظَّاهريَّة على كلِّ مصلٍّ، ثمَّ في مطلق أمر المأموم بالتَّأمين أنَّه يؤمِّن ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعيَّة.
ثمَّ اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين أصحهما لا ينقطع؛ لأنَّه مأمورٌ بذلك لمصلحة الصَّلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلَّق بها كالحمد للعاطس.
(فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ) زاد يونس عن ابن شهابٍ عند مسلم (( فإنَّ الملائكة تؤمِّن قبل قوله فمَن وافق ) )وكذا في رواية ابن عُيينة عن ابن شهابٍ عند البخاريِّ في (( الدعوات ) ) [خ¦6402] وهو دالٌّ على أنَّ المراد بالموافقة الموافقة في القول والزَّمان.
وأمَّا ما قاله ابن حبَّان في «صحيحه» بعد قوله (( فإنَّ الملائكة تقول آمين ) )من أنَّه يريد أنَّه إذا أمَّن كتأمين الملائكة من غير إعجابٍ ولا سمعةٍ ولا رياءٍ خالصًا لله تعالى، فإنَّه حينئذٍ يغفر له؛ يعني المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، فغير ظاهرٍ من نظمِ الحديث الذي عند مسلمٍ وعند نفسه أيضًا.
وكذا ما جنحَ إليه غيره فقال في الصِّفات المحمودة، أو في إجابة الدُّعاء، وكذا ما قيل المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
وقد يأبى عن هذه التَّأويلات أيضًا ما في «الصحيحين» عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم (( إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين، ووافقت إحداهما الأُخرى غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ). وزاد فيه
ج 4 ص 445
مسلم (( إذا قال أحدُكم في الصَّلاة ) )وهي زيادةٌ حسنة نبَّه عليها عبد الحقِّ في «الجمع بين الصحيحين» .
وفي هذا اللَّفظ فائدةٌ أخرى، وهي اندراج المنفرد فيه وغير هذا اللَّفظ إنَّما هو في الإمام أو في المأموم أو فيهما، ويأبى عنها أيضًا رواية محمد بن عَمرو الآتية فوافقَ ذلك قول أهلِ السَّماء [خ¦782 بعد] .
ونحوه لسُهَيل عن أبيه. عند مسلم، وكذا ما رواه البيهقيُّ بلفظ (( إذا قال القارئ {غير غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، وقال من خلفه آمين، ووافق ذلك قول أهل السَّماء آمين، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ).
ورواه الدَّارمي أيضًا في «مسنده» وكذا ما رواه عبد الرَّزَّاق عن عكرمة قال صفوفُ أهل الأرض على صفوف أهل السَّماء، فإذا وافقَ آمين في الأرض آمين في السَّماء غُفِرَ للعبد، ومثله لا يقال بالرَّأي، فالمصير إليه أولى.
وقال ابن المُنيِّر الحكمةُ في إيثار الموافقة في القول والزَّمان أن يكون المأموم على يقظةٍ للإتيان بالوظيفة في محلِّها؛ لأنَّ الملائكة لا غفلةَ لهم فمَن وافقهم كان متيقِّظًا فذكرَ موافقتَهُم ليس لأنَّه سببٌ للمغفرة، بل للتَّنبيه على السَّبب وهو مماثلتُهم في الإقبال والجدِّ وفعل التَّأمين على وجهٍ أكمل.
ثمَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالملائكة جميعهم، واختارهُ ابن بَزِيزة وذلك لأنَّ الجمع المحلَّى _ باللام _ يفيدُ الاستغراق بأن يقولها الحاضرون من الحفظةِ ومَن فوقهم حتى ينتهِي إلى الملأ الأعلى وأهل السَّماوات.
وقيل الحفظة منهم، وقيل الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا إنَّهم غير الحفظة.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره غُفْران جميع الذُّنوب الماضية إلَّا ما يتعلَّق بحقوق الناس، وذلك معلومٌ من الأدلَّة الخارجيَّة المخصِّصة لعمومات مثله، وأمَّا الكبائر فإنَّ عموم اللَّفظ يقتضِي المغفرة لها ويستدلُّ بالعامِّ ما لم يظهر المخصِّص، لكن ثبت (( أنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتنبت الكبائر ) )فإذا كانت الفرائض لا تكفِّر الكبائر، فكيف يكفِّرها التَّأمين الذي هو سنَّة إذا وافقت التَّأمين.
ويمكن أن يقال إنَّ التَّأمين الذي هو فعلُ المؤمن ليس هو المكفِّر بل المكفِّر وِفَاقُ الملائكة وليس ذلك إلى صنعه بل فضلٌ من الله، وعلامةٌ على سعادة من وافق، قاله التَّاج ابنُ السُّبكي في «الأشباه والنظائر» . ووقع في «أمالي الجرجاني» عن أبي العبَّاس الأصم عن بحر بن نصر عن ابن وهب عن يونس في آخر هذا الحديث (( وما تأخَّر ) ).
وقال الحافظ العسقلانيُّ وهي زيادةٌ شاذَّةٌ فقد رواه ابن الجارود في «المنتقى» عن بحرِ بن نصر بدونها.
وكذا في رواية مسلم عن حرملة. وفي رواية ابن خُزيمة عن يونس بن عبد الأعلى كلاهما عن ابن وهبٍ بدون هذه الزِّيادة، وكذلك في جميع الطُّرق عن أبي هريرة رضي الله عنه.
والذي وقع في نسخة لابن ماجه عن هشام بن عمَّار وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن ابن عيينة بإثبات هذه الزِّيادة غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ابن أبي شيبة
ج 4 ص 446
قد روى الحديث في «مسنده» وفي «مصنفه» بدون هذه الزِّيادة، وكذا الحفَّاظ من أصحاب ابن عيينة الحُميدي وابن المديني وغيرهما رووا بدونها.
(وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريُّ، بالسَّند السَّابق المتصل إليه، وليس هو بتعليق كما زُعِمَ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ آمِينَ) كأنَّ ابن شهابٍ استشعر التَّأويل المذكور في قوله (( إذا أمَّن الإمام ) )فبيَّن أنَّ المراد بقوله (( إذا أمَّن ) )، حقيقة التَّأمين، وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضد بصنيع أبي هريرة رضي الله عنه روايةً كما سيأتي بعد باب من طريق نُعيم المجمر قال صلَّيت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن حتَّى بلغ {وَلَا الضَّالِّينَ} فقال آمين، وقال النَّاس آمين [خ¦782 بعد] .
ويعضدُه أيضًا ما أخرجه النسائيُّ في «سننه» من حديث الزهريِّ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين، فإنَّ الملائكة تقول آمين، وإنَّ الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) ).
وقد وصله الدَّارقطنيُّ في «الغرائب» و «العلل» من طريق حفص بن عمر العدَني عن مالك عنه وقال تفرَّد به حفص بن عمر، وهو ضعيفٌ.
ففي الحديث أنَّ الإمام يؤمِّن، لا يقال إنَّ قوله (( إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ) )قضيَّة شرطيَّةٌ فلا تقتضي الوقوع لأنَّ التَّعبير بـ (( إذا ) )يشعرُ بتحقُّق الوقوع.
وخالف مالكٌ في روايةٍ عنه، وهي رواية ابن القاسم (( لا يؤمِّن الإمام في الجهريَّة ) )، وفي رواية عنه (( لا يؤمِّن ) )مطلقًا.
وقال ابن حبيبٍ من المالكيَّة يؤمن، وقال ابنُ بُكَير هو بالخيار، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنَّ الإمام لا يأتي به.
وأجاب عن الحديث بعضُ من ذهب إلى أنَّه لا يؤمِّن بأنَّه لم يره في حديث غير ابن شهاب، وهي علَّة غير قادحةٍ فإنَّ ابن شهاب إمامٌ لا يضرُّه التَّفرُّد مع ما سيذكر قريبًا أنَّه جاء في حديث غيره أيضًا.
وأجاب بعضهم بأنَّ قوله (( إذا أمَّن الإمام ) )مجازٌ من قبيل ذكر السَّبب وإرادة المسبِّب كما يقال بنى الأمير داره، ويأبى عنه الحديث الناطق بأنَّ الإمام يقول آمين.
واستدلَّ بعضُهم لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا قال الإمامُ ولا الضَّالين فقولوا آمين ) )لأنَّه صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 447
قسم ذلك بينه وبين القوم والقسمة تنافي الشركة، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا أمَّن الإمام ) )على معنى بلغ موضع التَّأمين.
وقالوا سنَّة الدُّعاء تأمين السَّامع دون الدَّاعي، وآخر الفاتحة دعاءٌ فلا يؤمِّن الإمام؛ لأنَّه داعٍ.
وقال القاضي أبو الطيِّب هذا غلطٌ بل الدَّاعي أولى بالاستيجاب، واستبعد ابن العربيِّ تأويلهم لغة وشرعًا، وقال والإمام أحد الدَّاعين وأولهم وأولاهم.
وقد مرَّ ما يتعلَّق بهذا في صدر الحديث، وفي الحديث أيضًا أنَّ المؤتمَّ يقولها ولا خلاف فيه، وفيه ردٌّ على الإماميَّة في قولهم إنَّ التَّأمين يبطل الصَّلاة؛ لأنَّه لفظٌ ليس بقرآن ولا ذكر.
ويمكن أن يكون مستندهم ما نُقِل عن جعفر الصَّادق أنَّ معنى آمين قاصدين إليك، وبه تمسَّك من قال إنَّه بالمد والتشديد، وصرَّح المتولي من الشَّافعية بأنَّ من قاله هكذا بطلتْ صلاته، وقال السَّفاقسيُّ وزعمت طائفةٌ من المبتدعة أنَّ الأفضليَّة فيها. وعن بعضهم أنَّها تفسد الصَّلاة، والصَّحيح أنَّها لا تفسدها؛ لأنَّها لغةٌ فيه، ولأنَّه موجودٌ في القرآن، ولأنَّ له وجهًا، كما قال الحلوانيُّ إنَّ معناه ندعوك قاصدين إجابتك، كما حقَّقه الكمال ابن الهمام في «شرح الهداية» . وقال ابنُ حزم يقولها الإمام سنَّةً والمأموم فرضًا.
وفيه أيضًا فضيلة الإمام لأنَّ تأمين الإمام يوافقُ تأمين الملائكة، ولهذا شرعت للمأموم موافقته، وظاهر سياق الأمر أنَّ المأموم إنَّما يؤمِّن إذا أمَّن الإمام لا إذا ترك، وقال به بعضُ الشافعيَّة، كما صرَّح به صاحب «الذخائر» وهو مقتضى إطلاق الرافعيِّ الخلاف.
وادَّعى النوويُّ في «شرح المهذب» الاتِّفاق على خلافه، ونصَّ الشافعيُّ في «الأم» على أنَّ المأموم يؤمِّن ولو تركه الإمام عمدًا أو سهوًا.
واستدلَّ به القرطبيُّ على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أنَّ المأموم ليس عليه أن يقرأ فيما جهر به إمامه.
فأمَّا الأوَّل فكأنَّه أخذه من أنَّ التَّأمين مختصٌّ بالفاتحة، وظاهر السِّياق يقتضِي أنَّ قراءة الفاتحة كانت أمرًا معلومًا عندهم.
وأمَّا الثَّاني فإنَّه يدلُّ على أنَّ المأموم لا يقرأُ الفاتحة حال قراءة الإمام لا أنَّه لا يقرأها أصلًا، هذا وكلٌّ منهما محلُّ نظر.
وفي الحديث أيضًا على ما ترجَّح أنَّ الإمام يؤمِّن أنَّه يجهر به في الجهريَّة، كما ترجم به المؤلِّف رحمه الله، ووجه دَلالة الحديث عليه أنَّه لو لم يكن التَّأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علَّق تأمينه بتأمينه.
وأجيب عنه بأنَّ موضع تأمين الإمام معلومٌ فلا يستلزم الجهر به، ونوقش فيه بأنَّه يحتمل أن يخلَّ به فلا يستلزم علم المأموم به، وقد روى روح بن عبادة عن مالكٍ في هذا الحديث قال ابن شهاب
ج 4 ص 448
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال (( {وَلَا الضَّالِّينَ} جهر بآمين ) )، أخرجه السَّرَّاج. ولابن حبَّان من رواية الزُّبيدي في حديث الباب عن ابن شهابٍ كان إذا فرغَ من قراءة أمِّ القرآن رفع صوته، وقال آمين.
وللحُميديِّ من طريق سعيد المقبُري عن أبي هريرة نحوه بلفظ (( إذا قال {وَلَا الضَّالِّينَ} ) ).
ولأبي داود من طريق أبي عبد الله ابن عمِّ أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. وزاد (( حتَّى يُسمِع من يليه من الصَّفِّ الأوَّل ) ).
ولأبي داود وصحَّحه ابن حبَّان من حديث وائل بن حجر نحو رواية الزبيديِّ، قيل وفيه ردٌّ على من أومأ إلى النَّسخ فقال إنَّما كان صلى الله عليه وسلم يجهر بالتَّأمين في ابتداءِ الإسلام ليعلمهم، فإنَّ وائل بن حجر إنَّما أسلم في أواخر الأمر.
ثمَّ الجهر بالتَّأمين هو مذهبُ الشَّافعي في القديم ذكر المزنيُّ في «مختصره» ، قال الشافعيُّ يَجهرُ بها الإمام في الصَّلاة التي يُجهَر فيها بالقراءة، والمأموم يُخافت. وفي «الخلاصة» للغزاليِّ ومن سنن الصَّلاة أن يُجهر بالتَّأمين في الجهريَّة، وفي «التلويح» ويَجهَر بها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود، وقال جماعةٌ يخفيها وهو قول أبي حنيفة والكوفيِّين وأحد قولي مالكٍ والشافعي في الجديد، وفي القديم يجهر، وعن القاضي حسن عكسه. قال النَّوويُّ وهو غلطٌ، ولعلَّه من الناسخ.
واحتجَّ أصحابنا الحنفيَّة بما رواه أحمد وأبو داود والطيالسيُّ وأبو يَعلى الموصلي في «مسانيدهم» والطبرانيُّ في «معجمه» والدارقطنيُّ في «سننه» والحاكم في «مستدركه» وهو حديث شعبة عن سلمة بن كُهَيل عن حجر أبي العنبس [1] ، عن علقمة بن وائل، عن أبيه أنَّه صلَّى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا بلغ (( {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين، وأخفى بها صوته ) )، ولفظ الحاكم في كتاب «القراءات» (( وخفض بها صوته ) )، وقال حديث صحيحٌ ولم يخرجاه.
فإن قيل روى أبو داود والترمذيُّ عن سفيان عن سلمة بن كُهيل عن حجر بن عنبسٍ عن وائل بن حجر. واللَّفظ لأبي داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ {وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين ورفع بها صوته، ولفظ الترمذيِّ (( ومدَّ بها صوته ) )، وقال حديثٌ حسنٌ.
وروى أبو داود والترمذيُّ من طريق آخر عن علي بن صالح ويقال العلاء بن صالحٍ الأسديُّ عن سلمة بن كُهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه صلَّى فجهرَ بآمين، وسلَّم عن يمينه وشماله. وسكتا عنه.
وروى
ج 4 ص 449
النسائيُّ أخبرنا قتيبة نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال صلَّيت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا افتتح الصَّلاة كبَّر. الحديث، وفيه فلمَّا فرغ من الفاتحة قال آمين يرفعُ بها صوته.
وروى أبو داود وابن ماجه عن بشر بن رافعٍ عن أبي عبد الله ابن عمِّ أبي هريرة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين، حتَّى يُسمِع من الصَّفِّ الأول [2] ، وزاد ابن ماجه ليرتج بها المسجد.
ورواه ابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مستدركه» وقال على شرط الشيخين، ورواه الدارقطنيُّ في «سننه» وقال إسناده حسن.
فالجواب أنَّ الذي رواه أبو داود والترمذي عن سفيان يعارضه ما رواه الترمذي أيضًا عن شعبة عن سلمة بن كُهَيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل، عن أبيه، وقال فيه وخفض بها صوته.
فإن قيل قال الترمذيُّ سمعت محمد بن إسماعيل _ يعني البخاري _ يقول حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في مواضع فقال عن حجر أبي العنبس، وإنَّما هو عن حجر بن العنبس ويكنى أبا السَّكن، وزاد فيه علقمة وليس فيه علقمة، وإنَّما هو حجر عن وائل، وقال (( وخفض بها صوته ) )وإنَّما هو (( ومدَّ بها صوته ) ).
فالجواب أنَّ تخطئة مثل شعبة خطأ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث.
أمَّا قوله (( هو حجر بن عنبس وليس بأبي عنبس ) )، ليس كذلك، بل هو أبو عنبس حجر بن عنبس، وجزم به ابن حبَّان في «الثقات» فقال كنيتُه كاسم أبيه، وقوله يكنى أبا السكن، لا ينافي أن يكون كنيته أبا السَّكن أيضًا، لأنَّه لا مانع أن يكون لشخصٍ كنيتان.
وأمَّا قوله (( وزاد فيه علقمة ) )، فلا يضرُّ ذلك؛ لأنَّ الزِّيادة من الثقة مقبولةٌ لا سيَّما من مثل شعبة، وأمَّا قوله وقال (( وخفض بها صوته ) )وإنَّما هو (( ومدَّ بها صوته ) )فيؤيِّده ما رواه الدارقطنيُّ عن وائل بن حجر قال صلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعتُه حين قال {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين فأخفى بها صوته.
فإن قيل قال الدارقطنيُّ وهمَ شعبة فيه؛ لأنَّ سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا (( ورفع بها صوته ) )وهو الصَّواب، وطعن صاحب «التنقيح» في حديث شعبة هذا بأنَّه قد رُوِيَ عنه خلافه، كما أخرجه البيهقيُّ في «سننه»
ج 4 ص 450
عن أبي الوليد الطَّيالسي نا شعبة عن سلمة بن كهيل، سمعت حجرًا أبا عنبس يحدِّث عن وائلٍ الحضرميِّ أنَّه صلَّى خلف النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا قال (( {وَلَا الضَّالِّينَ} ) )قال آمين رافعًا بها صوته، قال فهذه الرِّواية توافق رواية سفيان.
وقال البيهقي في «المعرفة» إسناد هذه الرِّواية صحيحٌ وكان شعبة يقول سفيان أحفظُ، وقال يحيى القطَّان ويحيى بن معين إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان.
قال وقد أجمع الحفَّاظ البخاري وغيره أنَّ شعبة أخطأ.
فالجواب أنَّ قول الدارقطنيِّ وهم شعبة، يدلُّ على قلَّة اعتناءه بكلام هذا القائل وإثبات الوهم له لكونه غير معصومٍ موجودٌ في سفيان أيضًا، فربَّما يكون هو وَهِمَ.
ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحًا، وقد قال بعض العلماء والصَّواب أنَّ الخبرين بجهرها وبالمخافتة صحيحان وعمل بكلٍّ منهما جماعة من العلماء.
وأمَّا ما قاله ابن القطَّان في كتابه هذا الحديث فيه أربعة أمورٍ اختلاف سفيان وشعبة في اللَّفظ، وفي الكنية، وحجر لا يعرف حاله واختلافهما أيضًا حيث جعل سفيان من رواية حجر عن وائل وجعل شعبة من رواية حجر عن علقمة عن وائل.
ففيه أنَّ اختلاف سفيان وشعبة في اللَّفظ لا يضرُّ؛ لأنَّ كلاًّ منهما إمامٌ عظيمٌ في هذا الشَّأن فلا يسقط ما رواه أحدهما برواية الآخر، وما يقال من الوهم في أحدهما يصدقُ في الآخر على ما مرَّ، وأمَّا الاختلاف في الكنية فلا ضير فيه أيضًا، كما تقدَّم.
وأمَّا أنَّ حجرًا لا يُعرَفُ حاله؛ فهو ممنوعٌ، وكيف لا يعرف حاله وقد ذكره البغويُّ وأبو الفرج وابن الأثير وغيرهم في جملة الصَّحابة ولئن نزَّلناه من رتبة الصَّحابة إلى رتبة التَّابعين فقد وجدنا جماعةً أثنوا عليه ووثَّقوه منهم الخطيب أبو بكرٍ البغدادي قال صار مع عليٍّ رضي الله عنه إلى النَهْرَوان، وورد المدائن في صحبته وهو ثقةٌ احتجَّ بحديثه غير واحدٍ من الأئمَّة، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» . وقال ابن معين كوفيٌّ ثقةٌ مشهور.
وأمَّا زيادة علقمة فليس ذلك بعيبٍ؛ لأنَّه روي من علقمة أوَّلًا بنزول، ثمَّ رواه عن وائل بعلوٍّ بيَّنَ ذلك الكجِّي في «سننه الكبير» .
وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه ففي إسناده بشر بن رافعٍ الحارثيُّ، وقد ضعَّفه البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وأحمد وابن معين.
وقال ابن القطَّان في كتابه بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي
ج 4 ص 451
ضعيفٌ، وهو يروي هذا الحديث عن أبي عبد الله ابن عمِّ أبي هريرة رضي الله عنه، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حالٌ ولا روى عنه غير بشر، فالحديث لا يصحُّ من أجله، فسقطَ بذلك قول الحاكم على شرط الشَّيخين وتحسين الدارقطنيِّ إيَّاه.
واحتجَّ أصحابنا أيضًا بما رواه محمَّد بن الحسن في كتاب «الآثار» حدَّثنا أبو حنيفة نا حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النَّخعي قال أربعٌ يخفيهنَّ الإمام التَّعوُّذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهمَّ، وآمين.
ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» أخبرنا معمر عن حمَّاد به. فذكره إلَّا أنَّه قال عِوَض قوله (( سبحانك اللَّهمَّ ) ) (( اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ) )ثمَّ قال أخبرنا الثوريُّ عن منصورٍ عن إبراهيم قال خمسٌ يخفيهنَّ الإمام، فذكرها وزاد (( سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك ) ).
وبما رواه الطبريُّ في «تهذيب الآثار» حدثنا أبو بكر بن عياس عن أبي سعيد عن أبي وائل قال لم يكن عمر وعلي رضي الله عنهما يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بآمين. وقالوا أيضًا آمين دعاءٌ، والأصل في الدُّعاء الإخفاء، والله أعلم.
[1] وسيشير المؤلف بعد صفحة إلى اتهام شعبة بتحصيف اسمه وان صوابه حجر بن العنبس.
[2] في سنن أبي داود (حتى يسمع من يليه من الصف الأول) ، وفي سنن ابن ماجه (حتى يسمعها أهل الصف الأول) .