4977 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ) قال سفيان (وَحَدَّثَنَا) أيضًا (عَاصِمٌ) هو ابنُ أبي النَّجُود، وكأنَّه كان يجمعهما تارةً، ويفردُهما أخرى. وفي رواية الحميدي التَّصريح بسماع عبدةَ وعاصم له من زر (عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ) أنِّه (قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ أَبَا الْمُنْذِرِ) أي يا أبا المنذر، وهي كنيةُ أبي، وله كنيةٌ أخرى أبو الطُّفيل.
(إِنَّ أَخَاكَ) يعني في الدِّين (ابْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟) يعني أنَّ المعوذتين ليستا من القرآن، كما مرَّ التَّصريح به في بعض الرِّوايات، كما سيجيء، وكأنَّ بعض الرُّواة أبهمَه استعظامًا له. وقال الحافظُ العسقلاني أظنُّ ذلك من سفيان فإنَّ الإسماعيليَّ أخرجه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن سفيان كذلك على الإبهام، وكنت أظنُّ أولًا أنَّ الَّذي أبهمَه البخاري؛ لأنَّني رأيت التَّصريح به في رواية أحمد عن سفيان ولفظه قلتُ لأبيٍّ إن أخاكَ يحكُّهما من المصحف.
وكذا أخرجه الحميدي عن سفيان، ومن طريقه أبو نعيم في «المستخرج» وكان سفيان تارةً يصرِّح بذلك، وتارةً يُبهمه. وقد أخرجه أحمدُ أيضًا وابن حبَّان من رواية حمَّاد بن سلمة عن عاصم بلفظ إنَّ ابن مسعودٍ كان لا يكتب المعوَّذتين في مصحفه.
وأخرج أحمد عن أبي بكر بن عيَّاش عن عاصم بلفظ إنَّ عبدَ الله يقول في المعوَّذتين. وهذا أيضًا فيه إبهام.
وقد أخرجَه عبدُ الله بن أحمد
ج 21 ص 475
في «زيادات المسند» والطَّبراني وابن مَرْدويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرَّحمن بن يزيد النَّخعي قال كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يحكُّ المعوَّذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من القرآن، أو من كتابِ الله.
قال الأعمشُ وقد حدَّثنا عاصم عن زرٍّ، عن أبيِّ بن كعب، فذكر نحو حديث قتيبة الذي في الباب الماضي [خ¦4976] . وقد أخرجه البزَّار، وفي آخره ويقول إنَّما أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوَّذ بهما. قال البزَّار لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحدٌ من الصَّحابة.
قال العينيُّ، وكذا القسطلاني وذلك كان ممَّا اختلف فيه الصَّحابة، ثمَّ ارتفعَ الخلاف ووقع الإجماع على أنَّهما من القرآن، فلو أنكرَ اليوم أحد قرآنيته كفر. وقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قرأهما في الصلاة.
ففي «صحيح مسلم» من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( ألم تر آيات نزلت هذه اللَّيلة لم ير مثلهنَّ قط {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ} ) ).
وعنه أيضًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأَ بالمعوذات في دبر كلِّ صلاةٍ. رواه أبو داود والترمذي. وزاد فيه ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن عقبة (( فإن استطعتَ أن لا يفوتك قراءتهما في صلاةٍ فافعل ) ). وعند النَّسائي عنه أيضًا (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاة الصُّبح ) ). وروى سعيد بنُ منصور من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الصُّبح فقرأَ فيهما بالمعوذتين.
وأخرج أحمدُ من طريق أبي العلاء بن الشِّخِّير عن رجلٍ من الصَّحابة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقرأهُ المعوَّذتين، وقال له إذا أنت صلَّيت فاقرأْ بهما. وإسناده صحيحٌ.
وقد تأوَّل القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب «الانتصار» وتبعه القاضي عياض وغيره ما حُكي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه فقال لم ينكر ابن مسعود رضي الله عنه كونهما من القرآن، وإنَّما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنَّه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلَّا إن كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أذن في كتابتهِ، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك.
قال فهذا تأويلٌ منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا. وهذا تأويلٌ حسنٌ، إلَّا أنَّ الرِّواية الصَّحيحة التي ذكرت ترفع ذلك حيث جاء فيها ويقول إنهما ليستا من كتاب الله. نعم، يمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشي التَّأويل المذكور.
وقال غيرُ القاضي عياض لم يكن اختلاف ابن مسعود رضي الله عنه
ج 21 ص 476
مع غيره في قرآنيتهما، بل في صفة من صفاتهما. انتهى. وغاية ما في هذا أنَّه أبهم ما بيَّنه القاضي.
وقال العيني ولا شكَّ أنَّ هذه الرِّواية _ يعني قال لي فقلت _ تحتملهما، فالحملُ عليهما أولى.
وقال الحافظ العسقلاني ومن تأمَّل سياق الطُّرق التي وردت للحديث استبعدَ هذا الجمع.
وأمَّا قول النَّووي في «شرح المهذب» أجمعَ المسلمون على أنَّ المعوَّذتين والفاتحة من القرآن، وأنَّ من جحدَ شيئًا منها كفر، وما نقل عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه باطلٌ؛ ففيه نظرٌ.
وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم فقال في أوائل «المحلى» ما نُقلَ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه من إنكار قرآنيَّة المعوذتين، فهو كذبٌ باطلٌ. وكذا قال الفخر الرَّازي في أوائل «تفسيره» الأغلب على الظَّنِّ أنَّ هذا النَّقل عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه كذبٌ باطل. والطَّعن في الرِّوايات الصَّحيحة بغير مستندٍ لا يقبل، بل الرِّواية صحيحةٌ والتَّأويل محتملٌ.
والإجماع الَّذي نقله إن أراد شُموله لكلِّ عصرٍ فهو مخدوشٌ، وإن أرادَ استقرارَهُ فهو مقبولٌ.
وقد قال ابنُ الصَّباغ في الكلام على مانعي الزَّكاة وإنَّما قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه على منع الزَّكاة ولم يقل إنَّهم كفروا، وإنَّما لم يكفروا؛ لأنَّ الإجماع لم يكن استقرَّ.
قال ونحن الآن نكفِّر من جحدها، قال وكذلك ما نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه في المعوَّذتين، يعني أنَّه لم يثبت عنده القطعُ بذلك، ثمَّ حصل الاتفاق بعد ذلك.
وقد استشكلَ هذا الموضع الفخر الرَّازي، فقال إن قلنا إنَّ كونهما من القرآن كان متواترًا في عصرِ ابن مسعودٍ لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا إنَّه لم يكن متواترًا لزم أنَّ بعضَ القرآن لم يتواتر. وقال وهذه عقدةٌ صعبةٌ.
وأجيب باحتمال أنَّه كان متواترًا في عصر ابن مسعود رضي الله عنه، لكن لم يتواتر عند ابن مسعودٍ فانحلَّت العقدة، فليتأمَّل، والله تعالى هو الموفِّق.
(فَقَالَ أُبَيٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي عنهما (فَقَالَ لِي قِيلَ لِي) أي بلسان جبريل عليه السلام (قَالَ) أي أبي (فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فالقائلُ فنحن نقول ... إلى آخره هو أبيُّ بن كعب رضي الله عنه. ووقع عند الطَّبراني في «الأوسط»
ج 21 ص 477
أنَّ ابن مسعودٍ رضي الله عنه أيضًا قال مثل ذلك، لكن المشهور أنَّه من قول أبي بن كعبٍ رضي الله عنه، فلعلَّه انقلب على راويه.
وليس في جواب أبي تصريحٌ بالمراد إلَّا أنَّ في الإجماع على كونهما من القرآن غنية عن تكلُّف الأسانيد بأخبار الآحاد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
خاتمة اشتملَ كتاب التَّفسير على خمسمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثًا من الأحاديث المرفوعة، وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث وخمسة وستون حديثًا، والبقيَّة معلَّقٌ، وما في معناه، المكرر من ذلك فيه وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثًا، والخالص منها مائة حديث وحديث.
وافقَه مسلم على تخريجِ بعضها، ولم يُخرِّج أكثرها؛ لكونها ليست ظاهرةً في الرَّفع، والكثيرُ منها من تفاسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهي ستَّةٌ وستون حديثًا.
قد وقع الفراغ من تنميق هذه الأوراق المنيفة في «شرح صحيح البخاري» عليه رحمة ربه الباري على يد جامعه الفقير أبي محمد عبد الله بن محمد المدعو بيوسف أفندي زاده، كتب الله لهم الحسنى وزيادة قبيل عصر يوم السبت الحادي والعشرين من أيام شهر رجب المرجب المنتظم في سلك السنة الثانية والخمسين بعد المائة والألف من تاريخ هجرة من يأخذ العفو ويأمر بالعُرْف، يسر الله تعالى إتمامه بعونه وتوفيقه، وجعله ذخرًا له يوم القيامة، وشفع نبيه صلى الله عليه وسلم فيه به، ويتلوه القطعة الثانية والعشرون المبتدأة بكتاب «فضائل القرآن» ، والله تعالى هو المستعان إن شاء الله الملك المنان.
ج 21 ص 478