2483 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية وبالمهملة وبالنون، وقد مرَّ في «البيع» في «شراء الدواب» [خ¦2097] (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا) بفتح الموحدة، بمعنى المبعوث؛ أي جيشًا، وكان هذا في رجب سنة ثمان للهجرة (قِبَلَ السَّاحِلِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة السَّاحل، وهو شاطئ البحر (فَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من التَّأمير (عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ) أي جعل أبا عُبيدة رضي الله عنه أميرًا عليهم.
وأبو عُبيدة _ بضم المهملة _ هو عامرُ بن عبد الله بن الجَرَّاح _ بفتح الجيم وتشديد الراء وبالحاء المهملة _ الفهريُّ القرشيُّ أمين الأمة، أحدُ العشرة المبشَّرة، شهد المشاهد كلَّها، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ ونزع الحلقتين اللَّتين دخلتا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حِلَق المِغْفر بفِيْه، فوقعت ثنيَّتاه، ومات بالشام سنة ثمان عشرة في طاعون عَمْواس، وصلَّى عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه، وكان سنُّه يوم مات ثمانيًا وخمسين سنة.
(وَهُمْ) أي البعث الذي هو الجيش (ثَلاَثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ) قال الكرمانيُّ إذا فني فكيف أمر بجمع الأزواد؟ فأجاب بأنَّه إمَّا أن يريد فناء زاده خاصة، أو يريد بالفناء القِلَّة، وقال العينيُّ يجوز أن يقال معنى فَنِيَ أشرفَ على الفناء، وأنت خبيرٌ بأنَّه يرجع إلى التوجيه الثَّاني للكرماني.
(فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ) رضي الله عنه (بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ) أي بجمع أزوادهم (فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) المِزود _ بكسر الميم _ ما يجعل فيه الزاد كالجراب، وفي رواية مسلم (( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوَّدنا جرابًا من تمرٍ لم يجد لنا غيره ) )فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرةً.
(فَكَانَ) أي أبو عبيدة رضي الله عنه (يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ) الظَّاهر أن القائل هو وهب بن كيسان (وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ) أي جابر رضي الله عنه (لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ) أي وجدنا فقدها
ج 11 ص 437
مؤثرًا شاقًّا علينا، أو لقد حزنًا لفقدها (قَالَ) أي جابر رضي الله عنه (ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ) كلمة «إذا» للمفاجأة، والحوت يقع على الواحد والجمع.
وقال صاحب «المنتهى» والجمع حيتان، وقال ابن سيده الحوت السَّمك اسم جنسٍ، وقيل هو ما عظم منه، والجمع أحوات. وفي كتاب الفراء جمعه أحواتٌ في القليل، فإذا كثُرت فهي الحيتان.
(مِثْلُ الظَّرِبِ) بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء، واحدة الظِّراب، وهي الرَّوابي الصغار، وقال ابن الأثير الظِّراب الجبال الصِّغار، واحدها ظَرِب، بوزن كتف، وقد يجمع في القلَّة على أظرب.
(فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) كذا هو في نسخة الأَصيليِّ، ورُوِي ، وقال ابن التين الصواب هو الأوَّل، وروي (( فأكلنا منه شهرًا ) )، وروي نصف شهر طريًّا، وبقية ذلك قديدًا.
وقال النَّوويُّ من قال «شهرًا» هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم ينف الزِّيادة ولو نفاها قُدِّم المثبت، والمشهور عند الأصوليين أنَّ مفهوم العدد لا حكمَ له فلا يلزم نفي الزِّيادة.
(ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ) بكسر الضاد وفتح اللام، وقال في «أدب الكاتب» ضِلْع وضِلَع. وقال الهرويُّ هما لغتان والضِّلع مؤنث (مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنُصِبَا) على البناء للمفعول (ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا) وفي رواية مسلم فأقمنا عليها شهرًا، ولقد رأيتنا نغترف من وَقْب عينه قلال الدُّهن، ونقتطع منه الفِدَر كالثَّور، ولقد أخذ منَّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقبِ عينه، وتزوَّدنا من لحمه وشائق، فلمَّا قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال (( هو رزقٌ أخرجه الله لكم فهل معكُم من لحمه شيءٌ فتطعمونا؟ ) )قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.
الوَقْب _ بفتح الواو وسكون القاف وبالموحدة _ هو النُّقرة التي تكون فيها العين، والفِدَر _ بكسر الفاء وفتح الدال المهملة وفي آخره راء _ جمع فدرة، وهي القطعة من اللحم، والوشائق _ بالشين المعجمة _ جمع وشيقة، وهي اللحم القديد،
ج 11 ص 438
وفي لفظٍ للبخاري [خ¦5494] (( نرصد عيرًا لقريش فأقمنا بالسَّاحل نِصْفَ شهرٍ فأصابنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكلنا الخَبَط، فسُمِّي ذلك الجيش جيشَ الخبط [1] فألقى لنا البحر دابَّةً يُقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهرٍ وادَّهنَّا من ودكه حتى ثابتْ إلينا أجسامنا ) ).
وفي مسلم قال أبو عبيدة _ يعني للعنبر _ ميتة، ثم قال لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله عزَّ وجلَّ وقد اضطررتم فكلوا.
هذا [و] قال القرطبيُّ جَمْعُ أبي عبيدة الأزواد وقِسْمَتُها بالسَّوية إمَّا أن يكون حكمًا حَكَمَ به لِمَا شاهد من الضَّرورة وخوفه من تلفِ من لم يبقَ معه زاد، فظهر له أنَّه وجب على من معه زاد أن يواسي من ليس معه زاد، أو يكون عن رضا منهم، وقد فعل مثل ذلك غير مرَّة سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال بعض العلماء هو سنَّة.
وقال ابن بطَّال استدلَّ بعض العلماء بهذا الحديث بأنَّه لا يقطع سارقٌ في مجاعةٍ؛ لأنَّ المواساة واجبةٌ للمحتاجين، وخصَّه أبو عمر بسرقة المآكل، وفي الحديث أنَّ للإمام أن يُواسي بين الناس في الأقوات في الحضرِ بثمنٍ وغيره كما فعل ذلك في السَّفر.
وفيه قوَّة إيمان هؤلاء البعث، إذ لو ضعف والعياذ بالله تعالى لما خرجوا وهم ثلاثمائةٍ وليس معهم سوى جراب تمر، كما في الحديث المذكور.
قال القاضي عياض ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم زوَّدهم الجراب زائدًا عمَّا كان معهم من الزاد من أموالهم، ويحتمل أنَّه لم يكن في أزوادهم تمرٌ غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، قيل ويحتمل أن الجراب الذي زوَّدهم الشَّارع كان على سبيل البركة، فلذا كانوا يأخذونه تمرةً تمرةً، وفيه فضل أبي عُبيدة ولهذا سمَّاه الشَّارع أمين هذه الأمَّة، وفيه النَّظر في القوم والتَّدبير فيهم، وفيه فضل الصَّحابة رضي الله عنهم على ما كان فيهم من البؤس، وفيه رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير، وفيه جواز الشركة في الطَّعام وخلط الأزواد في السَّفر إذا كان ذلك أرفق بهم.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( فأمر أبو عبيدة ) )بأزواد ذلك الجيش فجمعَ ذلك كله، ولمَّا كان يُفرِّق عليهم كلَّ يومٍ قليلًا قليلًا صارَ في معنى النَّهد.
ج 11 ص 439
وقال الدَّاوديُّ ليس في حديث أبي عبيدة ولا الذي بعده ذكر المجازفة؛ لأنَّهم لم يريدوا المبايعة ولا البدل، وإنَّما يفضُل بعضُهم بعضًا، أو أخذ الإمام من أحدهم للآخر.
وأجاب ابن التِّين بأنَّه إنما أراد أنَّ حقوقهم تساوت فيه بعد جمعه لكنَّهم تناولوه مجازفةً كما جرت العادة.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4360] وفي «الجهاد» أيضًا [خ¦2983] ، وأخرجه مسلم في «الصَّيد» ، والتِّرمذي في «الزُّهد» ، والنَّسائي في «الصَّيد والسِّير» ، وابن ماجه في «الزُّهد» .
[1] في هامش الأصل الخبط اسم الورق الساقط. منه.