فهرس الكتاب

الصفحة 2582 من 11127

1640 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد (عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ) أي ملتبسًا به على وجه المقاتلة، عام منصوب على الظرفية، والحَجَّاج هو ابن يوسف الثَّقفي، كان متولِّي العراقين من جهة عبد الملك بن مروان، وأمره عبد الملك أن يتوجَّه إلى مكَّة لقتال عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما؛ لأنَّه دعا له بالخلافة فلم يطعْ عبد الملك، فقدم الحجَّاج إلى مكَّة في سنة اثنتين وسبعين، وأقام الحصار عليه من أوَّل شعبان منها، وقصَّته مشهورة.

(فَقِيلَ لَهُ) أي لابن عمر رضي الله عنهما، وقد صرَّح في «صحيح مسلم» أنَّ عبد الله وسالمًا ابني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هما القائلان بذلك كما مرَّ آنفًا [خ¦1639] ، وقد مرَّ في هذا الصَّحيح أيضًا أنَّ عبد الله قال له ذلك(إِنَّ النَّاسَ

ج 8 ص 89

كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ)مرفوع على أنَّه فاعل كائن لاعتماده على ما قبله (وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما

( {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] ) كلمة إذن حرف جواب وجزاء، وشرط إعمالها أن تتصدَّر، فإن وقعت حشوا أهملت، وإن كان السَّابق عليها واوًا أو فاءً جاز النَّصب نحو (وإذًا لا يلبثوا) (فإذًا لا يؤتوا) ، والغالب الرَّفع وهي القراءة وإذا كان فعلها مستقبلًا يجب الرفع كما هنا، وهو قوله (اصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً) إنَّما قال هذا ولم يكتف بالنيَّة ليَعْلَمه من أراد الاقتداء به (ثُمَّ خَرَجَ) من المدينة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ) موضع بين مكَّة والمدينة قدام ذي الحليفة، وهي في الأصل الأرض الملساء والمفازة (قَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ) بالرفع ويُرْوَى بالنصب على مذهب يونس، فإنَّه جوَّزه مستشهدًا بقوله

~ومَا الدَّهرُ إلَّا مَنْجَنُونًا بأهْلِهِ ومَا صَاحبُ الحَاجَاتِ إلَّا مُعذَّبا

يعني أن حكمهما واحد في جواز التَّحلل منهما بالإحصار، وفيه صحة القياس؛ لأنَّه قاس الحج على العمرة؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما تحلَّل بالعمرة وحدها في إحصار عام الحديبية.

(أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي وَأَهْدَى) فعل ماض من الإهداء (هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ) بضم القاف وفتح الدال المهملة مصغرًا، اسم موضع بين مكَّة والمدينة، وهو في الأصل اسم ماء هناك (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) إذ لم يجب عليه دم بارتكاب محظورات الإحرام (فَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ) غاية للأفعال الأربعة (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى) أي أدَّى (طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ) أي الَّذي طافه يوم النَّحر للإفاضة.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ) أي طاف طوافًا واحدًا وأهدى، قال الكِرماني المقصود من الطَّواف الأوَّل لا يجوز أن يكون طواف القدوم، بل معناه أنَّه لم يُكَرَّر الطَّواف للقِران بل اكتفى بطوافٍ واحد،

ج 8 ص 90

قال وهو دليلٌ على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنًا. هذا، وذلك بناء على ما قاله إنَّه لا يجوز أن يراد به طواف القدوم.

وقال بعضهم أراد به طواف القدوم فحمله على السَّعي، ويؤيِّد هذا التَّأويل حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم لم يطف النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا طوافه الأوَّل.

هذا، وقال ابن عبد البر فيه حجَّة لمالك في قوله إنَّ طواف القدوم إذا وُصِلَ بالسَّعي يُجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلًا، أو نسيه حتَّى رجع إلى بلده وعليه الهدى قال ولا أعلم أحدًا قال به غيره وغير أصحابه.

وَتُعُقِّب بأنه إن حُمِلَ قولُه طوافه الأوَّل على طواف القدوم، وأنَّه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالًا على الإجزاء مطلقًا ولو تعمَّده لا بقيد الجهل والنِّسيان، وأمَّا إذا حملناه على طواف الإفاضة يوم النَّحر أو على السَّعي فلا، والله أعلم.

تحقيق اعلم أنَّه قد روى الزُّهري، عن سالم أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال (( تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهل بالحج وتمتَّع النَّاس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحجِّ ) )بطوله. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي على ما يأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

قال الطَّحاوي فهذا ابن عمر رضي الله عنهما يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان في حجَّة الوداع متمتِّعًا وأنَّه بدأ فأحرم بالعمرة، وقد أخرج محمَّد بن خزيمة قال حدَّثنا حجَّاج، قال حدَّثنا حمَّاد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا ملبِّين بالحجِّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شاء أن يجعلها عمرة إلَّا من كان معه الهدي ) )الحديث. فأخبر ابن عمر رضي الله عنهما في حديث بكر هذا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكَّة وهو يلبِّي بالحجِّ.

وقد أخبر في حديث سالم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأحرم بالعُمْرة، فمعناه والله أعلم أنَّه كان أحرم أوَّلًا بحَجَّة على أنَّها حَجَّة، ثمَّ فسخها فصيَّرها عمرةً، فلبَّى بالعمرة ثمَّ تمتَّع بها إلى الحجِّ حتَّى يصحَّ حديثا سالم وبكر ولا يتضادَّان، وفسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج الذي كان فعله، وأمر به أصحابه بعد طوافهم بالبيت، فاستحال

ج 8 ص 91

بذلك أن يكون الطَّواف الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله للعمرة التي انقلبت إليها حجَّته مجزئًا عنه من طواف حجَّته التي أحرم بها بعد ذلك.

ولكن وجه ذلك عندنا أنَّه لم يطف لحجَّته قبل يوم النَّحر؛ لأنَّ الطَّواف الذي يفعل قبل النَّحر في الحجَّة إنَّما يفعل للقدوم لا لأنَّه من صلب الحجَّة، فاكتفى ابن عمر رضي الله عنهما بالطَّواف الذي فعله بعد القدوم في عمرته عن إعادته في حجَّته.

وهذا مثل ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا من فعله حدَّثنا محمَّد بن خزيمة، قال حدَّثنا حجَّاج قال حدَّثنا حمَّاد، عن أيُّوب، عن نافع (( أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا قدم مكَّة رمل بالبيت، ثمَّ طاف بين الصَّفا والمروة، وإذا لبَّى من مكَّة بها لم يرمل بالبيت، وأخَّر الطَّواف بين الصَّفا والمروة إلى يوم النَّحر ) )، وكان لا يرمل يوم النَّحر، فدلَّ ذلك أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما كان إذا أحرم بالحجَّة من مكَّة لم يطف لها إلى يوم النَّحر، فكذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحرامه بالحجَّة التي أحرم بها بعد فَسْخِ حَجَّته الأولى لم يكن طاف لها إلى يوم النَّحر، فليس في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من حكم طواف القارن لعمرته وحجَّته شيء، بل ثبت ممَّا ذكر أنَّ القارنَ لا يكتفي بطوافٍ واحد، كما هو مذهبنا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت