677 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ)
ج 4 ص 183
التَّبوذكي (قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مصغَّرُ وهبٍ، هو ابن خالد صاحب الكرابيسي (قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو ابن أبي تميمة السَّختياني (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الجَرْمي.
(قَالَ حَدَّثَنا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) مصغَّر الحارث اللَّيثي (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا) الظَّاهر أنَّه مسجد البصرة (فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء (إِنِّي لأُصَلِّي) بلام التأكيد المفتوحة (بِكُمْ) بالموحدة، وفي رواية باللام (وَمَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ) جملة حالية؛ أي ليس مقصودي أداء فرض الصَّلاة؛ لأنَّه ليس وقت الفرض أو لأنِّي صلَّيته، بل المقصود أنْ أعلِّمكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيفيَّتها المشروعة بالفعل، كما فعل جبريل عليه السَّلام، إذ الفعل أوضحُ من القول مع نيَّة التقرُّب بها إلى الله تعالى، أو المعنى ما أريد الصَّلاة فقط، بل أريد معها قربة أُخرى وهي تعليمها فتجتمع نيَّتان صالحتان في عملٍ واحدٍ كالغسل بنيَّة الجنابة والجمعة.
والحاصل أنْ ليس المراد نفي القُرْبة، وإنَّما هو بيان أنَّ السَّبب الباعث له على ذلك قصد التَّعليم، فلا يلزم وجود صلاةٍ بغير قربة، ومثلها لا تصحُّ، ويمكن أن يقال أيضًا إنَّه أمر مباح من حيث هي، لكنَّها قربة من حيث أنَّ القصد بها تعليم العبادة، وكأنَّه كان تعيَّن عليه حينئذٍ؛ لأنَّه أحد من خوطب بقوله صلى الله عليه وسلم (( صلُّوا كما رأيتُمُوني أصلِّي ) )لا يقال فيه نوع التَّشريك في العبادة؛ لأنَّ قصده كان التَّعليم وليس للتَّشريك فيه دخل.
(أُصَلِّي) أي هذه الصَّلاة (كَيْفَ) أي على الكيفيَّة التي (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي) أو «كيف» نُصِبَ بفعل مقدَّر تقديره لأريكم كيف رأيتُ، والمراد من الرُّؤية لازمها وهي كيفية صلاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ كيفية الرؤية لا يمكن أن يريهم إيَّاها.
قال أيُّوب السَّختياني (فَقُلْتُ لأَبِي قِلاَبَةَ كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ) أبو قلابة (مِثْلَ) صلاة (شَيْخِنَا هَذَا) هو عَمرو بن سلمة، كما سيأتي في باب «اللُّبث بين السَّجدتين» إن شاء الله تعالى [خ¦818] .
(قَالَ) أيُّوب (وَكَانَ شَيْخًا) بالتَّنكير، وفي رواية (يَجْلِسُ) أي جلسة خفيفة؛ للاستراحة (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) أي من السَّجدة الثَّانية (قَبْلَ يَنْهَضَ) إلى الرَّكعة الثَّانية (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) هو متعلِّق بقوله (( من السُّجود ) )لا بقوله (( ينهض ) )لأنَّ النُّهوض يكون منها لا فيها، ويجوز أن يكون قوله «في الرَّكعة الأولى» خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا الجلوس وهذا الحكم به فيها، ويجوز أن تكون كلمة «في» بمعنى «من» ؛ لأن الحروفَ ينوب بعضُها عن بعض.
وقد احتجَّ به الشَّافعي وقال إذا رفع رأسه من السَّجدة الثَّانية يجلس جلسةً خفيفةً، ثمَّ ينهضُ معتمدًا على يديه على الأرض.
ج 4 ص 184
وفي «التَّلويح» اختلف العلماء في هذه الجلسة الَّتي تسمَّى جلسة الاستراحة عَقِيب الفراغ من الرَّكعة الأولى، فقال به الشَّافعي في قول، وزعم ابن الأثير أنَّها مستحبَّة.
وقال في «الأم» يقوم من السَّجدة الثَّانية ولم يأمر بالجلوس فقال بعض أصحابه إنَّ ذلك على اختلافِ حالين إن كان كبيرًا أو ضعيفًا جلس وإلَّا لم يجلس. وقال بعضُ أصحابه في المسألة قولان.
وبعدم الجلوس قال أبو حنيفة ومالك والثَّوري وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عبَّاس وعمر وعلي رضي الله عنهم، وكذا عن أبي الزِّناد والنَّخعي.
وقال ابنُ قدامة وعن أحمد قولٌ أنَّه يجلس وهو اختيارُ الخلال، وقيل إنَّه فصَّل بين الضَّعيف وغيره، قال أحمد وترك الجلوس عليه أكثر الأحاديث
منها ما روى التِّرمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان ينهض في الصَّلاة على صدور قدميه. وقال النُّعمان بن أبي عياض أدركتُ غيرَ واحدٍ من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس.
قال التِّرمذي وعليه العملُ عند أهل العلم، وقال أبو الزِّناد تلك السنَّة، وأجابوا عن حديث مالك بن الحُوَيرث بأنَّه يحتمل أن يكون ذلك بسبب ضعفٍ كان به صلى الله عليه وسلم.
وقال السَّفاقسي قال أبو عبد الملك كيف ذهب هذا الذي أخذ به الشَّافعي على أهل المدينة؟ والنَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم عشر سنين، وصلَّى بهم أبو بكر وعمر وعثمان والصَّحابة والتابعون رضي الله عنهم فأين يذهب عليهم هذا المذهب؟!
وقال الطَّحاوي والنَّظر يوجب أنَّه ليس بين السُّجود والقيام جلوس؛ لأنَّ من شأن الصَّلاة التَّكبير فيها والتَّحميد عند كلِّ خفضٍ ورفع، وانتقال من حال إلى حالٍ فلو كان بينهما جلوس لاحتاج أن يكبِّر عند قيامه من ذلك الجلوس، كما يكبِّر عند قيامه من الجلوس في صلاته إذا أراد القيام إلى الرَّكعة التي بعد الجلوس.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يعتمد عند قيامه [1] ، وفعلَه مسروق ومكحولٌ وعطاء والحسن، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد محتجِّين بهذا الحديث، وأجازه مالك في «العتبية» ثمَّ كرهه، ورأت طائفة أن لا يعتمدَ على يديه إلَّا أن يكون شيخًا أو مريضًا.
وقال ابنُ بطَّال روي ذلك عن عليٍّ والنَّخعيِّ والثَّوري، وكره الاعتماد ابن سيرين. وقال صاحب «الهداية» وما رواه الشَّافعي وهو حديث مالك بن الحُوَيرث محمولٌ على حالةِ الكبر.
وقال محمود العيني فيه تأمُّل؛ لأنَّ أنهى ما عُمِّرَ صلى الله عليه وسلم ثلاث وستُّون سنة، وفي هذا القدر لا يعجز الرَّجل عن النُّهوض، اللَّهم إلَّا إذا كان لعذر مرضٍ أو جراحةٍ أو نحوهما، وحمله مالكٌ على حالة الضَّعف.
وقيل إنَّ مالك بن الحُوَيرث كان رجلًا من أهل البادية أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة، ولعلَّه رآه
ج 4 ص 185
فعل ذلك في صلاةٍ واحدةٍ لعذرٍ فظنَّ أنَّه من سنن الصَّلاة.
ورجال إسناد هذا الحديث بصريُّون، وفيه روايةُ تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦818] أيضًا، وكذا أبو داود والنَّسائي.
[1] أي يعتمد على يديه في أثناء رفعه للقيام.