فهرس الكتاب

الصفحة 9456 من 11127

6346 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد،

ج 26 ص 515

قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ القطان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) الدَّستوائي (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) وهذا طريقٌ آخر في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وصف العرش بالكرم؛ لأنَّ الرَّحمة تنزلُ منه، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. وقيل وصف العرش هنا بالكرم؛ أي الإحسان من جهة الكيفيَّة، وفي الحديث السَّابق [خ¦6345] بالعظمة من جهة الكميَّة.

ووصفه تعالى بكمال ربوبيَّته الشَّاملة للعالم العلوي والسُّفلي، والعرش الَّذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، وحلمه يستلزمُ كمال رحمته وإحسانه إلى خلقهِ، فعلم القلب، ومعرفته [بذلك] يوجب محبَّته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللِّذَّة والسُّرور ما يدفعُ عنه ألم الكرب والهمِّ والغمِّ، فإذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمَّنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضِّيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسُّرور، وإنَّما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها، أشار إليه في «زاد المعاد» .

هذا وقد وقع في حديث عليٍّ رضي الله عنه (( لا إله إلا الله الكريم العظيم، سبحان الله تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين ) ). وفي لفظ (( الحليم الكريم ) )في الأوَّل، وفي لفظ (( لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له العليُّ العظيم، لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له الحليم الكريم ) ). وفي لفظ (( لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين ) ). أخرجها كلُّها النَّسائي.

فإن قيل هذا ذكرٌ لا دعاء؟ فالجواب أنَّه قال الطَّبري معنى قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما يدعو _وإنَّما هو تهليلٌ وتعظيمٌ_ يحتمل أمرين

أحدهما أنَّ المراد تقديم ذلك قبل الدُّعاء [1] ،

ج 26 ص 516

كما ورد من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث، وفي آخره ثمَّ يدعو. قال الحافظُ العسقلاني وكذا هو عند أبي عَوانة في «مستخرجه» من هذا الوجه (( كان إذا حزبه أمرٌ ) )قال فذكر الذِّكر المأثور، وزاد (( ثمَّ دعا ) ). وفي «الأدب المفرد» من طريق عبد الله بن الحارث سمعت ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فذكره، وزاد في آخره (( اللَّهم اصرف عنِّي شرَّه ) ).

قال الطَّبري ويؤيِّد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال كان يقال إذا بدأ الرَّجل بالثناء قبل الدُّعاء استجيبَ له، وإذا بدأ بالدُّعاء قبل الثَّناء كان على الرَّجاء.

ثانيهما ما أجاب به ابن عُيينة فيما حدَّثنا حسين بن حسن المروزي قال سألت ابن عُيينة عن الحديث الَّذي فيه أكثر ما كان يدعو به النَّبي صلى الله عليه وسلم بعرفة (( لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريك له ... ) )الحديث. فقال سفيان هو ذكرٌ وليس فيه دعاء، ولكن قال النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ربِّه عزَّ وجلَّ (( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السَّائلين ) ). قال وقال أميَّة بن أبي الصَّلت

~أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

~إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ

قال سفيان فهذا مخلوقٌ حين نُسِبَ إلى الكرم اكتُفِيَ بالثَّناء عن السُّؤال، فكيف بالخالق؟

قال الحافظُ العسقلاني ويؤيِّد الاحتمال الثَّاني حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه رفعه (( دعوة ذي النُّون إذ دعا، وهو في بطنِ الحوتِ لا إله إلَّا أنت سبحانك إني كنتَ من الظَّالمين، فإنَّه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا استجابَ الله تعالى له ) ). أخرجه التِّرمذي والنَّسائي والحاكم. وفي لفظ للحاكم (( فقال رجلٌ كانت ليونس عليه السَّلام خاصَّةً أم المؤمنين عامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل عامَّة، فقرأ إلى قول الله تعالى {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء 88] ) ).

وقال ابن بطَّال حدَّثني أبو بكر الرَّازي قال كنت بأصبهان عند أبي نُعيم أكتب الحديث وهناك شيخٌ يقال له أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا، فسُعِي به عند السُّلطان

ج 26 ص 517

فسُجِن، فرأيتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وجبريل عن يمينه يحرِّك شفتيه بالتَّسبيح لا يفتر، فقال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في (( صحيح البُخاري ) )حتى يفرِّج الله عنه، قال فأصبحت فأخبرته فلم يكن إلَّا قليلًا حتَّى أُخرِجَ من السجن. انتهى.

وأخرج ابن أبي الدُّنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة» له من طريق عبد الملك بن عُمير قال كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حبَّان انظر الحسنَ بن الحسن فاجلده مائة جلدةٍ، وأوقِفْه للناس قال فبعث إليه فجيءَ به، فقام إليه علي بن الحسين، فقال يا ابن عمِّ تكلَّم بكلماتِ الفرج يُفرِّج الله عنك. فذكر حديث عليٍّ باللفظ الثَّاني فقالها، فرفع إليه عثمان رأسه، فقال أرى وجه رجلٍ كذبَ عليه خَلُّوا سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأُطلِق.

وأخرج النَّسائي والطَّبري من طريق الحسن بن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهم قال لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال لها إن نزلَ بك أمرٌ فاستقبليه بأن قولي لا إله إلَّا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربِّ العرشِ العظيم، الحمدُ لله رب العالمين. وقال الحسن فأرسل إليَّ الحجَّاج فقلتهنَّ فقال والله لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحبَّ إليَّ من كذا وكذا. وزاد في لفظ فسَلْ حاجتك.

وممَّا ورد من دعوات الكرب ما أخرجَه أصحاب [السنن] إلَّا التِّرمذي عن أسماء بنت عُميس، قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا أعلِّمك كلماتٍ تقولينهنَّ عند الكرب؟ الله الله ربي لا أشرك به شيئًا ) ). وأخرجه الطَّبري من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مثله. وروى أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي بكرة رضي الله عنه رفعه من دعوات المكروب (( اللَّهمَّ رحمتَك أرجو، فلا تكلني إلى نفسِي طرفةَ عين، وأصلحْ لي شأني كله لا إله إلا أنت ) ).

ج 26 ص 518

(وَقَالَ وُهَبٌ) بضم الواو وفتح الهاء في رواية المستملي وحدَه، وهو ابنُ خالد، وفي رواية الأكثرين بفتح الواو وسكون الهاء، وكذا في رواية أبي زيدٍ المروزي، وقال أبو ذرٍّ الهروي هو الصَّواب، وهو وهب بن جرير بن حازم (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ) أي مثل الحديث السَّابق، وقد تقدَّم الإشارة إلى نكتة إيراد هذا التَّعليق فيما سبق فتذكَّر [خ¦6345] .

[1] في هامش الأصل أي هو ذكر يستفتح به الدُّعاء بكشف كربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت