فهرس الكتاب

الصفحة 9458 من 11127

6347 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حدَّثني) بالإفراد (سُمَيٌّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التَّحتية، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن المخزومي (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ) كذا في رواية الأكثرين؛ أي تعبُّدًا، وتواضعًا، وتعليمًا، ورواه مسدد عن سفيان بسنده هذا بلفظ الأمر (( تعوذوا ) )، وسيأتي في (( كتاب القدر ) ) [خ¦6616] ، وكذا وقع في رواية الحسين بن علي الواسطي عن سفيان عند الإسماعيلي وأبي نُعيم (مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ) وهي الحالةُ التي يمتحنُ بها الإنسان، وتشقُّ عليه بحيث يتمنَّى فيها الموت ويختاره عليها. وعن ابن عمر رضي الله عنهما (( جهدُ البلاء قلَّة المال، وكثرة العيال ) )، والحقُّ أنَّ ذلك فردٌ من أفراد جهدِ البلاء.

(وَدَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء، وهو الإدراك واللَّحاق والوصول إلى الشَّيء، و (( الشَّقاء ) )بالشين المعجمة والقاف وبالمد الهلاك، وقيل الشِّدة والعسر، وهو ضدُّ السَّعادة، ويطلقُ على السَّبب المؤدِّي إلى الهلاك (وَ) من (سُوءِ الْقَضَاءِ) أي ما يسوءُ الإنسان ويُوقعه في المكروه، ولفظ (( السوء ) )، منصرفٌ إلى المقضي عليه

ج 26 ص 519

لا القضاء؛ لأنَّ حكمَ الله من حيث هو حكمه كلُّه حسنٌ لا سوء فيه، قيل القضاء الحكم بالكائنات على سبيلِ الإجمال في الأزلِ، والقدر الحكم بوقوعِ الجزئيات التي لتلك الكليَّات على سبيل التَّفصيل، قال تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر 21] .

ثمَّ (( درك الشَّقاء ) )ينقسم قسمين في أمور الدُّنيا، وفي أمور الآخرة، وكذلك سوء القضاء عامٌّ في النَّفس والمال، والأهل والولد، والخاتمة والمعاد.

(وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) هي الحزن بفرح عدوِّه، والفرح بحزنه، وقيل هي فرح العدوِّ ببليَّةٍ تنزلُ بمن يعاديه. وقال ابن بطَّال هي ما ينكأ في القلب، ويؤثر في النَّفس تأثيرًا شديدًا، وهذه كلمةٌ جامعةٌ؛ لأنَّ المكروه إمَّا أن يلاحظ من جهة المبدأ وهو سوءُ القضاء، أو من جهة المعاد وهو درك الشَّقاء؛ لأنَّ شقاء الآخرة هو الشَّقاء الحقيقي، أو من جهة المعاش، وهو جهدُ البلاء، وهذه الثَّلاثة مستقلَّة، وأمَّا شماتة الأعداء فيقعُ لكلِّ من يقع له من الخصال الثَّلاثة.

قال ابن بطَّال وإنَّما تعوَّذ النَّبي صلى الله عليه وسلم تعليمًا لأمَّته، فإنَّ الله تعالى كان آمنه من جميع ذلك، وبذلك جزمَ القاضي عياض، ولا يتعيَّن ذلك بل يحتمل أن يكون استعاذ بربِّه من وقوع ذلك بأمَّته، ويؤيِّده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر [خ¦6616] .

(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة راوي الحديث المذكور، وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق (الْحَدِيثُ ثَلاَثٌ) أي الحديث المرفوع المروي ثلاثة أشياء، وقال (زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً) من قبل نفسي فصار أربعًا (لاَ أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ) أي الرَّابعة الزَّائدة قد خفي عليه تعيينها، وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، فبيَّن أنَّ الخصلة المزيدة هي (( شماتةُ الأعداء ) )، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن مخلد، عن سفيان مقتصرًا على الثَّلاثة دونها، وعرف من ذلك تعيينُ الخصلة المزيدة.

وقال الكرماني كيف جاز له أن يخلطَ كلامه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 26 ص 520

بحيث لا يفرق بينها، ثمَّ أجاب بأنَّه ما خلط، بل اشتبه عليه تلك الثَّلاثة بعينها، وعرف أنَّها كانت ثلاثةٌ من هذه الأربعة، فذكر الأربعة تحقيقًا لرواية تلك الثَّلاثة قطعًا، إذ لا تخرج منها.

وقال الحافظُ العسقلاني زادها سفيان من قِبَل نفسه، ثمَّ خفيَ عليه تعيينُها، ووقع عند الحُميدي في «مسنده» عن سفيان الحديث ثلاث من هذه الأربع. وأخرجَه أبو عَوَانة والإسماعيلي وأبو نُعيم من طريق الحُميدي، ولم يفصِّل ذلك بعض الرُّواة عن سفيان.

وفي ذلك تُعُقِّب على الكرماني حيث اعتذرَ عن سفيان في جواب من استشكلَ جواز زيادته في الحديث مع أنَّه لا يجوزُ الإدراج في الحديث، فقال يجابُ عنه بأنَّه كان يميِّزها إذا حدَّث، كذا قال، وفيه نظرٌ، فسيأتي في (( القدر ) )عن مسدَّد [خ¦6616] . وأخرجهُ مسلمٌ عن أبي خيثمة وعَمرو النَّاقد، والنَّسائي عن قتيبة، والإسماعيلي من رواية العباس بن الوليد، وأبو عَوَانة من رواية عبد الجبَّار بن العلاء، وأبو نُعيم من طريق سفيان بن وكيع كلُّهم، عن سفيان بالخصالِ الأربعة بغير تمييزٍ إلَّا أنَّ مسلمًا قال عن عَمرو النَّاقد قال سفيان أشكُّ أنِّي زدت واحدةً منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم، عن سفيان فاقتصرَ على ثلاثةٍ، ثمَّ قال قال سفيان (( وشماتة الأعداء ) ). وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن مخلد عن سفيان مقتصرًا على الثَّلاثة دونها، وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة، ويجابُ عن النَّظر بأنَّ سفيان كان إذا حدَّث ميَّزها، ثمَّ طال الأمر فطرأَ عليه السَّهو عن تعيينها، فحفظَ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرقَه السَّهو، ثمَّ كان بَعْدَ أن خفيَ عليه تعيينها قبل يَذْكُر كونها مزيدةً مع إبهامها، ويترجَّح كون الخصلة المزيدة هي (( شماتةُ الأعداء ) )بأنَّها تدخل في عموم كلِّ واحدةٍ من الثَّلاثة، كما مرَّ.

قال العيني وما ذكره الكرماني اعتذار حسنٌ مع أنَّه قال عقيب كلامه المذكور وقد روى البُخاري في (( كتاب القدر ) )الحديث المذكور، وذكر فيه الأربعة مسنَدًا إلى رسول صلى الله تعالى عليه وسلم بلا تردد ولا شكٍّ،

ج 26 ص 521

ولا قولٍ بزيادةٍ.

قال النَّووي وفي الحديث دلالةٌ لاستحباب الاستعاذة من الأشياء المذكورة، وأجمعَ على ذلك العلماء في جميعِ الأعصار والأمصار، وشذَّت طائفةٌ من الزُّهَّاد.

وفي الحديث أنَّ الكلامَ المسجوع لا يكره إذا صدر من غير قصدٍ له ولا تكلُّف، قاله ابن الجوزي قال وفيه مشروعيَّة الاستعاذة، ولا يعارض ذلك كون ما سبق في القدر لا يُرَدُّ لاحتمال أن يكون ممَّا قضي، فقد يقضى على المرء مثلًا بالبلاء، ويقضى أنَّه إن دعا كشف، فالقضاء محتملٌ للدَّافع والمدفوع إليه، وفائدةُ الاستعاذة والدُّعاء إظهار العبد فاقته لديه وتضرَّعه إليه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه المؤلف في (( القدر ) ) [خ¦6616] . وأخرجهُ مسلمٌ في (( الدعوات ) )، والنَّسائي في (( الاستعاذة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت