3499 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ) بضم الخاء وكسرها، الكِبْر والعُجْب؛ يقال فيه خيلاء ومخيلة؛ أي كبر، ومنه اختال فهو مختال (فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ) قال الدَّاودي قوله (( الفخر والخيلاء في الفدادين ) )وهمٌ وإنما نَسَبَ إليهم الجفاء وغِلَظ القلوب، وأمَّا الفخر والخيلاء فهما في أصحاب الخيل (وَالسَّكِينَةُ) أي السكون والوقار(فِي أَهْلِ الْغَنَمِ،
ج 15 ص 520
وَالإِيمَانُ يَمَانٍ)ظاهره نِسْبةُ الإيمان إلى اليمن، وأصلُه يمني حُذِفَ إحدى اليائين وعُوِض منها الألفُ فصار يمان، وهي اللغة الفُصحى، ثمَّ يمني، ثمَّ يماني بزيادة الألف، ذكرها سيبويه.
وحكى الجوهريُّ وصاحب «المطالع» وغيرهما عن سيبويه أنَّه حُكِيَ عن بعض العرب أنهم يقولون اليمانيُّ بالياء المشددة، وأنشد
~يَمانيًّا يَظلُّ يَشدُّ كِيرًا ويَنفُحُ دَائِبًا لَهبَ الشُّواظِ
وقال القاضي وغيره قد صَرَفوا قولَه (( الإيمان يمان ) )عن ظاهره من حيث إنَّ مبدأ الإيمان من مكة، ثمَّ من المدينة، ومكة يمانية بالنسبة إلى المدينة، والمدينة يمانيَّة بالنسبة إلى الشَّام، وحكى أبو عبيد فيه أقوالًا
أحدها أنَّه أراد بذلك مكَّةَ فإنَّه يقال إنَّ مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن.
الثَّاني المراد مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، كما قالوا الركن اليماني، ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم (( والإيمان في أهل الحجاز ) ).
الثَّالث ما ذهب إليه كثير من النَّاس وهو أحسنها أنَّ المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل فنُسِبَ الإيمانُ إليهم؛ لأنهم كانوا الأصل في نصرِ ما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم.
واعترض عليه الشَّيخ أبو عَمرو بن الصَّلاح بأنَّه لو نَظَرَ إلى طُرُقِ الأحاديثِ لما تركَ ظاهرَ الحديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم (( أتاكُم أهل اليمن هم ألينُ قلوبًا وأرقُّ أفئدة الإيمان يمانٌ، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قِبَل المشرق ) )، والأنصار من جملة المخاطبين فهم إذًا غيرهم، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (( جاء أهل اليمن ) )وإنما جاء حينئذٍ غير الأنصار، فحينئذٍ لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على الحقيقة، وأنَّ المراد تفضيلُ أهل اليمن على غيرِهم من أهل المشرق، والسَّبب في ذلك إذعانُهم بالإيمان من غير كبير مشقَّة على المسلمين بخلاف أهلِ المشرق وغيرِهم، ومَن اتَّصفَ بشيءٍ وقَوِيَ قيامُه به نُسِبَ إليه إشعارًا بكمالِ حاله فيه، ولا يلزم من ذلك نفيُ الإيمان عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الإيمانَ ليأرز إلى الحجاز ) )ويروى (( الإيمان في أهل الحجاز ) ).
ج 15 ص 521
ثمَّ المراد بذلك الموجودُ منهم حينئذٍ لا كلُّ أهلِ اليمن في كلِّ زمان؛ فإن اللَّفظ لا يقتضيه، بل في لفظ الحديث أنَّه أراد بهم أقوامًا بأعيانهم، فأشار إلى من جاء منهم لا إلى بلد معيَّن، حيث قال صلى الله عليه وسلم (( أتاكم أهل اليمن ) )الحديث.
(وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) الحكمة عبارة عن العلم المشتمل على المعرفة بالله المصحوبِ بنفاذ البصيرة، وتهذيبِ النَّفس، وتحقيقِ الحقِّ والعمل به، والصَّد عن اتِّباع الهوى والباطل، والحكيم من يتصفُ بذلك. وقال ابنُ دريد كل كلمة وعظَتْك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيحٍ، فهي حكمة وحُكْم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ من الشِّعر حكمةً ) )وفي بعض الرِّوايات حُكْمًا.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه، وسقط هذا اللَّفظ في بعض النُّسخ (سُمِّيَتِ الْيَمَنَ لأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ) هذا قول الجمهور، وقاله أبو عبيدة أيضًا في تفسير الواقعة، وقال الرَّشاطي سُمِّي بذلك قَبْلَ أن تُعْرَفَ الكعبة لأنها عن يمين الشَّمس، وقيل سُمِّيَ بيمن بن قحطان، وهو يعربُ بن قحطان لأنَّ يعربَ اسمُه يمن، فلذلك قيل أرض يمن، وروي عن قطرب قال إنما سمِّي اليمن يمنًا ليُمْنه، والشَّام شامًا لشؤمه.
وقال الهمداني في «الأنساب» لما طغت العرب العاربة أقبل بنو قطن بن عامر، فتيامنوا فقالت العرب تيامنتْ بنو قطنٍ فسمُّوا اليمن وتشاءم الآخرون فسمُّوا شامًا، وقيل إن النَّاس لما تفرقت ألسنتهم حين تبلبلت بِبَابِلَ أخذ بعضُهم عن يمين اليمن، فسموا يمنًا، وأخذ بعضهم عن شمالها فسموا شامًا.
(وَالشَّأْمَ لأَنَّهَا عَنْ يَسَارِ الْكَعْبَةِ) وقيل سمي بشامات هناك حمر وسود، وقيل سمِّي بسام بن نوح عليه السَّلام لأنه أوَّل من اخْتَطَّه، وكان اسمه شام، بالمعجمة، فعُرِّبَ، فقيل سام، بالمهملة، وقيل شام، اسم أعجمي من لغة بني حام، وتفسيره بالعربي خبز طيب. وقال البكري الشَّأم، مهموز وقد لا يهمز.
وفي «المطالع» قال أبو الحسين بن سراج الشَّآم بهمزة ممدودة، وأباه أكثرهم فيه إلا في النسب؛
ج 15 ص 522
أعني فتح الهمزة، كما اختُلِف في إثبات الياء مع الهمزة الممدودة، فأجازه سيبويه ومنعه غيره لأنَّ الهمزة عوض عن ياء النَّسب، فعلى هذا يقال شامي وشآمٍ، كما يقال يَمَنِي ويَمَان.
(وَالْمَشْأَمَةُ الْمَيْسَرَةُ) الميم فيهما زائدة لأنَّ اشتقاقهما يدل على ذلك لأنهما من الشؤم واليسار، وقال الجوهري المشأمةُ الميسرة، وكذلك الشَّأمة والشؤم نقيض اليمن.
وقال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة 9] أي أصحاب الميسرة، ويقال المراد بأصحاب المشأمة أصحاب النَّار لأنهم يذهبون بهم إليها، وهي على ناحية الشِّمال، ويقال قيل لهم ذلك؛ لأنهم يتناولون كتبهم بالشِّمال.
(وَالْيَدُ الْيُسْرَى الشُّؤْمَى) يعني تسمَّى بالشُّؤمَى (وَالْجَانِبُ الأَيْسَرُ الأَشْأَمُ) قال أبو عبيدة ويقال لليد اليسرى الشُّؤمَى، ويقال للجانب الأيسر الأشأم، انتهى، ومادة الكل من الشؤم وهو نقيضُ اليمن.