3500 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) جُبير، بصيغة التصغير، ومُطْعِم بلفظ اسم الفاعل من الإطعام (يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ) رضي الله عنه (وَهْوَ عِنْدَهُ) حال من محمَّد بن جبير (فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ) هو حال أيضًا (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بفتح همزة أنَّ، والعامل فيه قوله بلغ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ) هو ابنُ عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السَّلام، واسمه مهزم، على ما قاله ابنُ ماكولا، وقيل قحطان بن هود عليه السَّلام، وقيل هو هود عليه السَّلام، وقيل أخوه، وقيل من ذرِّيته، وقيل هو من سلالة إسماعيل عليه السَّلام، حكاه ابنُ إسحاق وغيره.
وقال بعضُهم هو قحطانُ بن الهَمَيْسَع بن تيمن بن قيذار بن نبت بن إسماعيل عليه السَّلام، وقحطان هو أبو اليمن، وبنو قحطان هم العرب العاربة وعرب اليمن، وهم حميرُ المشهورُ أنهم من قحطان، قيل والتَّحقيق أنَّ العرب ثلاث فرق عربٌ عاربة، وعرب متعرِّبة، وعرب مستعرِبة، فأمَّا العربُ العاربة فهم تسع قبائل من ولد آدم بن سام بن نوح عليه السَّلام عاد، وثمود، وأميم، وعتيك، وجشم، وجديس، وغمليق، وجرهم، ووبار، وأمَّا العرب المتعرِّبة فهم بنو قحطان، والعرب المستعرِبة هم بنو إسماعيل عليه السَّلام، وزعمت العرب أنَّ قحطان ولد يعرب، وسمِّيت العرب به وهو أوَّل من يتكلَّم بالعربية، ونزل بأرض اليمن، وأوَّل من قيل له أبيت اللَّعن، وأوَّل من قيل له عِمْ صَباحًا.
(فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُؤْثَرُ) على البناء للمفعول؛ أي ولا يروى (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا) الأمانيُّ جمع الأمنية. وقال ابن الجوزي الأماني بمعنى التِّلاوة، كأنَّ المعنى إيَّاكم وقراءةَ ما في الصُّحف التي تُؤْثِرُ عن أهل الكتاب ما لم يأت به الرَّسول صلى الله عليه وسلم،
ج 15 ص 526
وكان ابن عَمرو قرأ التَّوراة أو حكى عن أهلها لا أنَّه حدَّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو حدَّث عنه لما استطاع أحدٌ ردَّه؛ لأنَّه لم يكن متهمًا.
وقال ابن التِّين إنكار معاوية عليه لأنَّه حَمَلَ حديثَه على ظاهرهِ، وقد يخرجُ القحطانيُّ في ناحيةٍ من نواحي الإسلام، ويُحْمَلُ حديثُ معاوية على الأكثر.
(فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الأَمْرَ) أي أمر الخلافة (فِي قُرَيْشٍ، لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ) هذا الفعل من الشَّواذ؛ لأنَّ الأصل أن يتعدَّى الفعل بالهمز، وهذا الفعل ثلاثيه متعدٍّ ورباعيه لازم، قال تعالى {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} [الملك 22] (مَا أَقَامُوا الدِّينَ) أي مدَّة إقامتهم الدِّين.
قال الحافظُ العسقلاني وفي إنكار معاوية ذلك نَظَرٌ؛ لأنَّ الحديثَ الذي استدلَّ به مقيَّدٌ بإقامة الدِّين فيحتمل أن يكون خروجُ القحطانيِّ إذا لم تقمْ قريش أمر الدِّين، وقد وُجِدَ ذلك، فإنَّ الخلافة لم تزل في قريش والنَّاس في طاعتهم إلى أن استخفُّوا بأمر الدِّين فضَعُفَ أمرُهم وتلاشى إلى أنْ لم يبقَ لَهم من الخلافة سوى اسمها المجرَّد في بعض الأقطار دون أكثرها. هذا وقد أجمعوا على أنَّه إذا دعا إلى كفر أو بدعة يُقَامُ عليه، وإن غصبَ الأموال وانتهك الحرم، فاختُلِفَ فيه؛ هل يُقَامُ عليه أو لا؟
فقال الأشعريُّ مرَّة نعم ومرَّة لا، وسيأتي مصداق قول عبد الله بن عَمرو بعد قليل من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقول عبد الله بن عَمرو سيكون مَلِك من قحطان، بَيَّنَ نعيم بن حمَّاد في كتاب «الفتن» من وجه قويٍّ عن عَمرو بن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّه ذَكَرَ الخلفاء، ثمَّ قال «ورجلٌ من قحطان» ، وأخرجه بإسنادٍ جيِّدٍ أيضًا من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال فيه (( ورجل من قحطان كلهم صالح ) )، وروى أحمدُ والطَّبراني من حديث ذي مخبر الحبشي مرفوعًا (( كان المُلْكُ قَبْلَ قريش في حِمْيرَ، وسيعود المُلْكُ إليهم ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وأخرجه البخاري في الأحكام أيضًا [خ¦7139] ، وأخرجه النَّسائي في التفسير.
ج 15 ص 527