509 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المُقْعَد البصري، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين، وقد تقدم في باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اللهم عَلِمه الكتاب ) ) [خ¦75] .
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، المتوفى سنة ثمانين ومئة، وقد تقدم في هذا الباب أيضًا [خ¦75] (قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد الله بالتصغير، ابن دينار أبو عبد الله البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة.
(عَنْ حُمَيْدِ) بصيغة التصغير (ابْنِ هِلاَلٍ) بكسر الهاء وتخفيف
ج 3 ص 404
اللام، العدوي التابعي الجليل (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان، وقد تكرَّر ذكره [خ¦173] [خ¦477] [خ¦180] وغيرها (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه.
(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ح) إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر، وقد سقط ذلك من اليونينية، وهو المناسب لذكر الواو في قوله (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) وفي رواية .
(قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) العبسي البصري (قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانُ) .
ورجال هذا الإسناد كلهم بصريُّون إلا أبا صالح فإنه مدني، وآدم فإنه عسقلاني، وإن آدم من أفراد البخاري، وإن البخاري لم يُخرِّج لسليمان بن المغيرة شيئًا موصولًا إلا هذا الحديث، ولفظ المتن الذي ساقه البخاري هنا هو لفظ سليمان لا لفظ يونس، وأما لفظ يونس فقد ساقه في كتاب بدء الخلق [خ¦3274] .
وقد أخرج متنه المؤلف في صفة إبليس أيضًا [خ¦3274] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود في الصلاة أيضًا.
(قَالَ رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنهما (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ) حال كونه (يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم وفتح المهملة وبالياء الساكنة آخره طاء مهملة، ووقع في كتاب الصلاة لأبي نُعيم الفضل بن دُكَين قال حدَّثنا عبد الله بن عامر، عن زيد بن أسلم قال بينا أبو سعيد قائم يصلي في المسجد فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه فدرأه فأبى إلا أن يمر فرفعه ولكمه، فهذا يدل على أن هذا الشاب هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقيل غيره على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأبو معيط في قريش، واسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية الأكبر، وهو والد عقبة بن أبي مُعَيط الذي قتله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صبرًا.
(أَنْ يَجْتَازَ) بالجيم والزاي، من الجواز (بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم وبالغين المعجمة؛ أي طريقًا يمكنه المرور منها، يقال ساغ الشراب في الحلق إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيء طاب.
(إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ) دفعة (أَشَدَّ مِنَ) الدفعة (الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي أصاب
ج 3 ص 405
من عِرْضِه بالشتم، وهو من النَّيل، وهو الإصابة (ثُمَّ دَخَلَ) ذلك الشاب (عَلَى مَرْوَانَ) وهو مروان بن الحَكَم _ بفتحتين _ الأموي أبو عبد الملك.
يقال إنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو ابن ثمان سنين، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد تقدم ذكره في باب البزاق والمخاط [خ¦241] .
(فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) مروان لأبي سعيد (مَا لَكَ) أي أي شيء وقع لك (وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟) أطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، وفيه تأييد لقول من قال إن المار بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد؛ لأن أباه عُقْبة قُتِل كافرًا، وإنما لم يقل ولأخيك؛ نظرًا إلى أنه كان شابًا أصغر منه.
(قَالَ) أي أبو سعيد رضي الله عنه (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ) وفي رواية مسلم (( فليدفع في نحره ) ).
وقال القرطبي أي بالإشارة ولطيف المنع.
(فَإِنْ أَبَى) إلا المرور (فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر اللام الجازمة وبسكونها؛ أي فليدفعه دفعًا شديدًا كدفع المقاتل (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) هذا من باب التشبيه حذف منه أداة التشبيه للمبالغة؛ أي إنما هو كشيطان؛ لأنه يفعل فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، أو يراد به شيطان الإنس، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام 112] .
وقال ابن بطال في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يَفتن في الدِّين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المار شيطانًا بمجرد مروره، وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجني، ومجازًا على الإنسي، وفيه كلام.
ويحتمل أن يكون المعنى كما قال الخطابي والقرطبي فإنما الحامل له على ذلك الشيطان.
وقد وقع في رواية الإسماعيلي (( فإن معه الشيطان ) )، ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( فإن معه القرين ) )، وفي رواية (( فإن معه العزى ) ).
واستنبط ابن أبي جمرة من قوله (( فإنما هو شيطان ) )أن المراد بقوله فليقاتله المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال، قال لأن
ج 3 ص 406
مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة؛ لكان أشد على صلاته من المار.
نعم؛ أطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعده ابن العربي وقال المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجي فقال يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن والتعنيف كما قال الله تعالى {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات 10] ؛ أي لعنوا.
وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مُبْطِل بخلاف الفعل اليسير، ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فِعْل الصحابي يخالفه، وهو أدرى بالمراد.
وقد رواه الإسماعيلي بلفظ (( فإن أبى فليجعل يده في صدره، وليدفعه ) )، وهو صريح في الدفع باليد.
ونقل البيهقي عن الشافعي أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول، وما تقدم عن ابن عمر [خ¦509] يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه.
وبنحوه صرح أصحاب الشافعي فقالوا يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، ولو أدى إلى قتله، فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
وقال القاضي عياض أجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء.
وهل تجب الدِّية أم تكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك.
قال ابن شعبان عليه الدية في ماله كاملة، وقيل هي على عاقلته، وقيل هدر، ذكره ابن التين.
وقال إمام الحرمين لا ينتهي دفع المار إلى منع محقق، بل يومئ ويشير برفق في صدر من يمر به، وقيل يدفعه دفعًا شديدًا، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته، وهذا هو المشهور عن مالك وأحمد.
وقال أشهب في (( المجموعة ) )إن قَرُب منه درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه لا يرده؛ لأنه مرور ثان.
وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك، وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال ابن مسعود، وسالم يرده من حيث شاء.
ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز المشي إليه من مكانه ليرده، وإنما يدفعه ويرده من موضعه، وعلى أنه لا يجوز المدافعة بالعمل الكثير؛ لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان،
ج 3 ص 407
بعيدًا منه بالإشارة أو التسبيح، ولا يجمع بينهما.
وإذا مَرَّ بين يديه مما لا تؤثر فيه الإشارةُ كالهرة
قالت المالكية دفعه برجله، أو ألصقه إلى السترة
وقيل معنى قوله (( فليقاتله ) )يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه، وقيل يدفعه دفعًا أشد من الرد مُنْكِرًا عليه.
ومذهب الجمهور أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل، والمقصود المبالغة في كراهة المرور.
وفي (( التمهيد ) )العمل القليل في الصلاة جائز نحو قتلِ البرغوث، وحكِّ الجسد، وقتلِ العقرب بما خَفَّ من الضرب ما لم؛ تكن المتابعة والطول، والمشيِ، وهذا كله إذا لم يَكْثُر فإن كَثُر أفسد.
ثم إن دَفْعَ المار بين يدي المصلي هل هو واجب أو مندوب؟.
قال النووي لا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه، وإنما هو ندب متأكد. انتهى.
وقد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأن الشيخ ما اطلع على هذا، أو ما اعتد بخلافهم.
وقال ابن بطال اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأما إذا صلى بغير سترة، فليس له ذلك؛ لأن التصرف والمشي في ذلك الموضع الذي يصلي فيه مباح لغيره، فلم يستحق أن يمنعه.
ثم إن الدفع هل لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المار؟ الظاهر هو الثاني، قاله الحافظ العسقلاني.
وقال غيره بل الأظهر هو الأول؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره.
وقد روى أبو نُعيم عن عمر لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس، وهذا الأثر وإن كان موقوفًا لفظًا، فحُكْمه حُكْم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي.
ومن فوائد الحديث أن المار كالشيطان في أنه شغل قلبه عن مناجاة ربه، وأنه يجوز أن يقال للرجل إذا فَتَنَ في الدِّين إنه شيطان، وأن دفع الأمور إنما هو بالأسهل فالأسهل، وأن في المنازعات لا بد من الرفع إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، وأن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي مُنْتَفِعًا به.
فائدة
قال ابن العربي اختلف العلماء في وضع السترة على ثلاثة أقوال
الأول إنه واجب، فإن لم يجد وضع خطًا، وبه قال أحمد، كأنه اعتمد حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي صححه الحاكم (( لا تصلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك ) ).
وعند أبي نُعيم في كتاب (( الصلاة ) )حدَّثنا سليمان أظنه عن حُمَيد بن هلال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو يَعلم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس.
وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود إنه ليقطعُ نصفَ صلاة المرء المرور بين يديه.
الثاني إنه مستحب، ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي رحمهم الله.
الثالث جواز تركها، روي ذلك عن مالك.
وقال أصحابنا الحنفية الأصل في السترة أنها مستحبة.
وقال إبراهيم النخعي كانوا
ج 3 ص 408
يستحبون إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم. وقال عطاء لا يأس بترك السترة. وصلى القاسم ومالك في الصحراء إلى غير سترة، ذكر ذلك ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) ).
واعلم أن الكلام في هذا على عشرة أنواع
الأول أن السترة واجبة أو لا، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
والثاني مقدار موضع يكره المرور فيه، فقيل موضع سجوده، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، وقاضي خان، وقيل مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل ثلاثة أذرع، وقيل خمسة أذرع، وقيل أربعون ذراعًا.
وقدَّر الشافعُي وأحمدُ بثلاثة أذرع.
ولم يَحُدَّ مالك في ذلك حَدًَّا، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه.
والثالث أنه يستحب لمن يصلي في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليَخُطَّ خطًا، ولا يضره ما مر أمامه ) )، وخرَّجَه ابن حبان في (( صحيحه ) ).
وذكر عبد الحق أن ابن المديني وأحمد بن حنبل صححاه.
وقال القاضي عياض هذا الحديث ضعيف، وإن كان قد أخذ به آخذ.
وقال سفيان بن عيينة لم نجد شيئًا يشد به هذا الحديث، وكان إسماعيل ابن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول عندكم شيء تشدون به، وأشار الشافعي إلى ضعفه، وقال النووي فيه ضعف واضطراب، وقال البيهقي لا بأس به في مثل هذا الحكم.
والرابع مقدار السترة، وقد ذُكِرَ الكلام فيه مستوفىً.
والخامس ينبغي أن يكون في غلظ الإصبع؛ لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد.
والسادس يقرب من السترة، وقد مرَّ الكلام فيه أيضًا.
والسابع أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن أو الأيسر، وأخرج أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي إلى عود، ولا عمود، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُد له صمدًا، يعني لا يقصده قصدًا بالمواجهة.
والثامن أن سترة الإمام سترة للقوم، وقد مر الكلام فيه أيضًا [خ¦494] .
والتاسع أنه ذكر أصحابنا أن المعتبر هو الغرز دون الإلقاء والحط؛ لأن المقصود هو الدرء فلا يحصل بالإلقاء، ولا بالحط.
وفي (( مبسوط شيخ الإسلام ) )إنما يغرز
ج 3 ص 409
إذا كانت الأرض رخوة، فأما إذا كانت صلبة لا يمكنه الغرز فيضع وضعًا؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز، لكن يضع طولًا لا عرضًا.
وروى أبو عصمة عن محمد إذا لم يجد سترة قال لا يخط بين يديه، فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد.
وقال الشافعي بالعراق إن لم يجد ما يغرز يخط خطًا طولًا، وبه أخذ بعض المتأخرين.
وفي (( المحيط ) )الخط ليس بشيء.
وفي (( الذخيرة ) )الخط باطل، وهو قول الجمهور.
وجوَّزَه أشهب في (( العتبية ) )، وهو قول سعيد بن جبير، والأوزاعي، والشافعي بالعراق، ثم قال بمصر لا يخط، والمانعون أجابوا عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه ضعيف، وقال عبد الحق ضعَّفه جماعة.
وقال ابن حزم في (( المحلى ) )لم يصح في الخط شيء، ولا يجوز القول به.
والعاشر أن السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا.
وعن أحمد تبطل صلاته، ومثله الصلاة في الثوب المغصوب عنده.
تكميل
وفي تعيين المار الذي وقع في (( الصحيح ) )أنه الوليد بن عقبة نظر؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، وزاد الإسماعيلي ومروان يومئذ على المدينة. انتهى.
ومروان إنما كان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتِلَ عثمان رضي الله عنه تحول إلى الجزيرة فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يحضر شيئًا من الحروب التي كانت بين علي ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًا، بل كان في عشر الخمسين.
وروى عبد الرزاق حديث الباب عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه فقال فيه إذ جاء شاب، ولم يُسمِّه أيضًا.
وعن مَعْمَر، عن زيد بن أسلم فقال فيه فذهب ذو قرابةٍ لمروان، ومن طريق أبي العلانية عن أبي سعيد فقال فيه مر رجل بين يديه من بني مروان.
وللنسائي من وجه آخر فمر ابن لمروان، وسماه عبدُ الرزاق من طريق سليمان بن موسى داودَ بن مروان، ولفظه أراد داودُ بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة، فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجوزي، ومن تبعه في تسمية المبهم الذي في (( الصحيح ) ).
وفيه نظر؛ لأن فيه أنه من بني أبي معيط، وليس مروان من بينه، بل أبو معيط ابن عم والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو
ج 3 ص 410
بن أمية، ووالد مروان هو الحكم بن أبي العاص بن أمية، وليست أم داود، ولا أم مروان، ولا أم الحكم من ولد أبي معيط.
ويحتمل أن يكون داود نُسِبَ إلى أبي معيط من جهة الرَّضَاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان أخا الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فنُسِب إليه داود مجازًا، وفيه بُعْد، والأقرب أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد.
ففي (( مصنف ابن أبي شيبة ) )حدَّثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين قال كان أبو سعيد رضي الله عنه قائمًا يصلي في المسجد، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه، فأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه فقيل له تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال والله لو أبى إلا أن آخذ بشَعْرِه لأخذت، وعبد الرحمن مخزومي ما له من أبي معيط نِسْبَة، والله أعلم.