فهرس الكتاب

الصفحة 3409 من 11127

2183 - 2184 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية (اللَّيْثُ) هو ابن سعد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري أنَّه قال(أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،

ج 10 ص 301

عَنْ)أبيه (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ) بالمثلثة (حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ) أي يظهر. قال النَّووي يبدو، بلا همز، وقال العينيُّ وممَّا ينبغي أن ينبِّه عليه أنَّه يقع في كثيرٍ من كتب المحدثين وغيرهم (( حتَّى يبدوا ) )بألف بعد الواو في الخطِّ وهو خطأ، والصَّواب حذفها في مثل هذا للناصب.

وإنَّما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل زيد يبدوا، والاختيار حذفها أيضًا، ويقع مثله في (( حتَّى تزهوا ) )وصوابه حذف الألف أيضًا.

هذا وعليه يشهد رسم القرآن فإنَّ الرَّسم على إثبات الألف في مثل ذلك منصوبًا ومرفوعًا سوى ما استُثْنِي، وهي كلمةٌ واحدة هي قوله تعالى {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [النساء 99] .

قال الإمام الكبير وليُّ الله الشَّاطبي في عقيلته

~أن يعفو الحذف فيه دون سائرها يعفوا ونبلوا مع أن ندعوا النظرا

ومعنى بدوِّ صلاحه ظهور حمرته أو صفرته أو بياضه على اختلاف أنواع الثِّمار، وفي رواية لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( حتَّى يطعمَ ) )، وفي رواية (( حتَّى يشقَّه ) )والإشقاه أن يحمرَّ، أو يصفرَّ أو يؤكل منه شيءٌ، وفي رواية (( حتَّى تشقح ) ). وقال سعيد بن مينا الرَّاوي عن جابرٍ رضي الله عنه (( حتَّى تحمارَّ وتصفارَّ ويؤكل منها ) )وفي رواية للطَّحاوي في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( حتَّى يؤكل منها ) )، وفي راوية له في حديث جابر رضي الله عنه (( حتَّى يطيب ) )، وفي رواية له في حديث عمر رضي الله عنه (( حتَّى يصلح ) ). وفي رواية لمسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قيل لابن عمر ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته.

ثمَّ اعلم أنَّ بدو الصَّلاح متفاوتٌ بتفاوتِ الأثمار، فبدوُّ صلاح التِّين أن يطيبَ ويوجد فيها الحلاوة ويظهر السَّواد في أسوده، والبياض في أبيضه. وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السَّواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النَّضج. وكذلك الزَّيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السَّواد. وبدوُّ صلاح القثاء والعَقوص أن ينعقدَ ويبلغ مبلغًا يوجد له طعم. وأمَّا البطيخ فأن ينحو

ج 10 ص 302

ناحية الاصفرار والطِّيب. وأمَّا الموز فروى أشهب وابن نافعٍ عن مالك أنَّه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيبَ فإنَّه لا يطيب حتَّى ينزع. وأمَّا الجزر واللفت والفجل والثُّوم والبصل فبدو صلاحه إذا استقلَّ ورقه وتمَّ وانتفع به، ولم يكن في قلعه فساد. والبر والفول والجلبان والحمص والعدس إذا يبس. والياسمين وسائر الأنواع أن تفتح كمامه ويظهر نوره، والقصيل والقصب والقرط إذا بلغ أن يُرْعَى دون فساد، والله أعلم.

(وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ) بالمثلثة وفتح الميم، وهو الرطب (بِالتَّمْرِ) بالمثناة الفوقية وسكون الميم، وبعضهم ضبط بالعكس، كما في التَّرجمة، والأمر هيِّن وهذا هو بيع المزابنة، وهو المقصود من ذكر الحديث في هذا الباب.

فائدة قال النَّووي فإن باع الثَّمر قبل بدوِّ صلاحه بشرط القطع صحَّ بالإجماع.

قال أصحابنا ولو شرط القطع، ثمَّ لم يقطع فالبيع صحيحٌ ويلزمه البائع القطع فإن تراضيا على إبقائه جاز، وإن باع بشرط التَّبقية فالبيع باطلٌ بالإجماع؛ لأنَّه ربما يتلف الثَّمرة قبل إدراكها فيكون البائع قد أكلَ مالَ أخيه الباطل. وأمَّا إذا شرط القطعَ فقد انتفى هذا الضَّرر.

وإن باعها مطلقًا بلا شرط القطع فمذهبنَا ومذهب الجمهور أنَّ البيع باطلٌ، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة يجب بشرط القطع، انتهى.

وقال العينيُّ مذهب الثَّوري وابن أبي ليلى والشَّافعي ومالك وأحمد وإسحاق عدم بيع الثِّمار في رؤوس الأشجار حتَّى تحمرَّ أو تصفر، ومذهب الأوزاعيُّ وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد جواز بيع الثِّمار على الأشجار بعد ظهورها، وبه قال مالكٌ في رواية، وأحمد في قول، وحجَّتهم في هذا ما رواه البخاريُّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع إلَّا أن يشترط المبتاع ) ). وزاد التِّرمذي (( ومن باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلَّا أن يشترطَ المبتاع ) )فيكون له باشتراطه إيَّاها، ويكون بذلك مبتاعًا لها. وفي هذا إباحة بيع الثِّمار قبل أن يبدوا صلاحها؛ لأنَّ كلَّ ما لا يدخل في بيع غيره

ج 10 ص 303

إلَّا بالاشتراط هو الذي يكون مبيعًا وحده، وما لا يدخل في بيع غيره من غير اشتراطٍ هو الذي لا يجوز أن يكون مبيعًا وحدَه.

وقوله في الحديث (( قد أبرت ) )من قولهم فلان أبَّر نخله؛ أي لقحه، والاسم منه الإبار كالإزار. وأجابوا عن الحديث المذكور بأنَّ المراد منه البيع قبل أن يتكوَّن فيكون بائعها بائعًا بما ليس عنده، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وقال الطَّحاوي رحمه الله ما ملخَّصه إنَّ قومًا قالوا إنَّ النَّهي المذكور ليس للتَّحريم، ولكنه على المشورة، نبَّه عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه.

ورووا في ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كان النَّاس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثِّمار فإذا جذَّ النَّاس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع إنَّه أصاب التَّمر العَفَن والدَّمَان، وأصابه قُثام، عاهات يحتجُّون بها، فقال صلى الله عليه وسلم لمَّا كثرت عنده الخصومة في ذلك (( لا تتبايعوا حتَّى يبدو صلاح التَّمر ) )كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم، فكان نهيه عن ذلك على هذا المعنى.

وأخرج الطَّحاوي حديث زيد هذا بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه النَّسائي والبيهقي أيضًا.

وقوله العَفَن _ بفتحتين _ الفساد، وأمَّا بكسر الفاء فهو من الصِّفات المشبهة.

والدَّمَان _ بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم وفي آخره نون _ هو فساد التَّمر قبل إدراكه حتَّى يسود. ويروى باللام وبالراء في موضع النون.

والقُثام _ بضم القاف _ داءٌ يقع في التَّمرة فتهلك.

- (قَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، وسيأتي في آخر الباب أنَّه أفرد حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد ذكر في باب (( بيع الزَّبيب بالزبيب ) ) [خ¦2173] من وجهٍ آخر عن نافع مضمومًا في سياق واحد.

وأخرجه التِّرمذي ولم يفصل حديث ابن عمر رضي الله عنهما من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأشار إليه أنَّه وهم، والصَّواب التَّفصيل. ولفظ التِّرمذي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة إلَّا أنَّه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها ) ).

ومراد التِّرمذي أنَّ التَّصريح بالنَّهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت، وإنَّما رواه عن ابن عمر رضي الله عنهما بغير واسطةٍ. وروى ابن عمر رضي الله عنهما استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت رضي الله عنه، فإن كانت رواية ابن إسحاق في آخر الباب محفوظة احتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وكان عنده بعضه بغير واسطةٍ، والله أعلم.

(وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن عمر رضي الله عنهما(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 10 ص 304

رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ)أي بعد النَّهي عن بيع الثَّمر بالتمر (فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ) كلمة (( أو ) )يحتمل أن تكون للتَّخيير، وأن تكون للشَّك، ولكن يؤيِّد كونها للتَّخيير ما رواه النَّسائي والطَّبراني من طريق صالح بن كيسان. والبيهقيُّ من طريق الأوزاعي كلاهما عن الزُّهري بلفظ (( بالرطب وبالتَّمر ولم يرخص في غير ذلك ) )هكذا ذكره بالواو.

وقال الكرمانيُّ قال النَّووي لفظ (( بالرطب ) )فيه دلالةٌ لأحد وجوه أصحابنا أنَّه يجوز بيع الرُّطب على النَّخل بالرطب على الأرض، والأصحُّ عند الجمهور بطلانه ويؤوِّلون هذه الرِّواية على أنَّ (( أو ) )للشَّك لا للتَّخيير، فمعناه رخَّص في بيعها بأحد النَّوعين وشكَّ فيه الرَّاوي فيحمل على أنَّ المراد التمر كما صرَّح به في سائر الرِّوايات، انتهى.

(وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ) قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا من أصرح ما ورد في الرَّد على من حمل من الحنفيَّة النَّهي عن بيع الثَّمر بالتَّمر على عمومه، ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه وزعم أنَّهما حكمان مختلفان وردا في سياقٍ واحدٍ، وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أنَّ بيع العرايا منسوخٌ بالنَّهي عن بيع الثمر بالتَّمر؛ لأنَّ المنسوخ لا يكون إلَّا بعد الناسخ، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ إبقاء النَّهي على العموم أولى من إبطال شيءٍ منه ولا منع من أن يكون النَّهي عن بيع الثمر بالتَّمر، وبيع العرايا حكمين واردين في سياقٍ واحدٍ، وعموم النَّهي ثابتٌ بيقين.

وقول زيد بن ثابت رضي الله عنه (( أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص بعد ذلك ) )لا يخرجه عن عمومه المتيقَّن؛ لأنَّ معنى كلامه أنَّه صلى الله عليه وسلم أظهر بعد نهيه عن بيع الثَّمر بالتمر أنَّ بيع العرية رخصةً لا أنَّه مستثنى منه على أنَّ العرية في الأصل عطيةٌ وهبة.

فإن قيل الرُّخصة لا دخل لها في العطايا والهبات فإنَّ الرُّخصة لا تكون إلَّا في شيءٍ مُحَرَّم، ولو كانت العرية عطيَّة لم يكن لقوله (( رخَّص بعد ذلك في بيع العرية ) )فائدة ولا معنى.

فالجواب أنَّ معنى الرُّخصة فيه أنَّ الرجل إذا أعرى الرَّجل شيئًا من ثمره فقد وعد أن يسلِّمه إليه ليملكه المُسَلَّمُ إليه بقبضه إيَّاه، وعلى الرَّجل أن يفيَ بوعده وإن كان غير مأخوذ به في الحكم، فرخَّص للمُعْرِي أن يحبسَ ما أعرى بأن يعطي المُعْرَى خرصه تمرًا بدلًا منه من غير أن يكون آثمًا، ولا في حكم من أخلف موعدًا فهذا موضع الرُّخصة.

فإن قيل كيف سمِّيت العريَّة بيعًا؟

فالجواب أنَّها سمِّيت بذلك لتصورها بصورة البيع لا أن يكون بيعًا حقيقةً، ألا يرى أنَّه لم يملكها المُعْرِي لانعدام القبض، ولأنَّه لو كانت

ج 10 ص 305

بيعًا لكانت بيع التَّمر بالتمر إلى أجل وأنَّه لا يجوز بلا خلاف، فدلَّ ذلك على أنَّ العريَّة المرخَّص فيها ليست ببيع حقيقةً بل هي عطيَّة كما نصَّ عليه أبو حنيفة في تفسيره العرية.

ونقل ابن المنذر عن بعض الحنفيَّة غير صحيحٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت