فهرس الكتاب

الصفحة 4388 من 11127

2805 - 2806 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ) هو محمَّد بن سعيد بن الوليد، أبو بكر الخُزَاعيُّ بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين المهملة، وهو بصريٌّ ملقَّب بمردويه، ليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث وآخر في غزوة خيبر [خ¦4208] ، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابنُ عبد الأعلى السَّامي، بالسين المهملة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، أنَّه (قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا) كذا أورده، وعطف عليه الطَّريق الأخرى فأشعر بأنَّ السِّياق لها، وأفادت رواية عبد الأعلى تصريح حميد له بالسَّماع من أنس، فأمن تدليسه، وقد أخرجه مسلم والترمذيُّ والنسائيُّ من رواية ثابت، عن أنس رضي الله عنه.

(ح) تحويلٌ من إسنادٍ إلى آخر (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ويروى بالجمع (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بضم الزاي وتخفيف الرائين بينهما ألف، ابنُ واقد الهلالي، وقد مرَّ في الصلاة [خ¦496] قال (حَدَّثَنَا زِيَادٌ) بكسر الزاي وتخفيف التحتانية. قال الكلاباذي هو ابنُ عبد الله البَكَّائي، بفتح الموحدة وتشديد الكاف وبالهمزة بعد الألف، وهو صاحب ابن إسحاق وراوي المغازي عنه.

قال ابن معين لا بأس به في المغازي خاصَّةً، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وليس له ذكرٌ في البخاريِّ سوى هذا الموضع. وقال الحافظ العسقلانيُّ ولم أره منسوبًا في شيءٍ من الروايات.

(قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) وفي رواية مسلم من رواية ثابت عن أنس قال أنس عمِّي الذي سُمِّيتُ به؛ أي أنس، والنَّضْر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ) وفي رواية مسلم من رواية ثابت، عن أنس (( فكبر ذلك عليه ) )، وفي رواية (( قال أنس عمِّي الذي سُمِّيتُ به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا قال فشقَّ عليه ) ) (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ) لأنَّ غزوة بدر هي أوَّل غزوةٍ غزا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وهي في السَّنة الثانية من الهجرة، وقد تقدَّمها غيرها

ج 13 ص 215

لكن ما خرج فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه.

كذا قال الحافظ العسقلانيُّ وفيه أنَّه يخالف ما ذكره أصحاب السِّير من أنَّه صلى الله عليه وسلم غزا قبلها بنفسه أربع غزوات أوَّلها ودَّان وهي الأَبْوَاء، بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد، جبلٌ بين مكَّة والمدينة بقرب الجُحفة. الثَّانية بُوَاط، بضم المُوَحدة وقد تفتح وبفتح الواو المخففة وآخره طاء مهملة جبلٌ من جبال جُهينة من المدينة على سبعِ مراحل، ومن البحر على مرحلتين. الثالثة العُشَيرا، بضم العين المهملة وبفتح الشين المعجمة، ويقال بالمهملة موضعٌ بين ينبُع والمدينة. الرابعة بدر الأولى وهي قريةٌ مشهورةٌ على نحو أربع مراحل من المدينة، عرفت ببدر بن الحارث، ولم يلق صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوات حربًا، فالظَّاهر أنَّ المراد بأوَّل غزوةٍ هي الغزوة التي وقع فيها القتال وهي غزوة بدرٍ الكبرى التي أعزَّ الله فيها الإسلام وغفرَ لأهلها، وهي أوَّلى الغزوات الكبار الأمهات، وهي سبع بدر، وأُحُد، والخندق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، وتبوك، وهي التي نزل في شأنها القرآن، فليتأمَّل.

(لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي) أي أحضرني، واللام في لئن مفتوحة دخلت على أن الشَّرطية لا جزاء له لفظًا، وحَذْفُ فعل الشَّرط فيه من الواجبات، والتَّقدير لئن أشهدَني الله (قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ) بالنصب بقوله أشهدَني (لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ) بتشديد النون للتَّأكيد، واللام جواب القسم المقدر، وفي رواية ثابت عند مسلم (( ليراني الله ) )بالألف، وفي أخرى (( ليرني الله ) )بلا ألف. فقوله ما أصنع، على هذه الرواية يكون بدلًا من ضمير المتكلِّم، وأمَّا في رواية البخاريِّ فهو منصوبٌ على المفعوليَّة.

وفي «التلويح» وضبط أيضًا بضم الياء وكسر الراء، ومعناه لَيُرِيَنَّ الله النَّاس ما أصنع ويُبْرِزُه لهم، وقال القرطبيُّ كأنَّه ألزمَ نفسه إلزامًا مؤكدًا ولم يظهر مخافة ما يتوقَّع من التَّقصير في ذلك. وفي رواية مسلم، عن ثابت وهاب أن يقولَ غيرها؛ أي خشيَ أن يلتزمَ شيئًا فيعجز عنه فأبهم. وفي رواية

ج 13 ص 216

محمد بن طَلحة عن حميدٍ الآتية في المغازي [خ¦4048] (( ليرينَّ الله ما أُجِدُّ ) )وهو بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال، أو بفتح الهمزة وضم الجيم، من الجِد ضدُّ الهزل.

والحاصل أنَّ مراده كما عرف من السِّياق أنَّه يبالغ في القتال وعدم الفرار.

(فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) أي يوم قتال أحد، أو أُطْلِقَ اليومُ وأُرِيدَ الوقعة، فهو إمَّا إضمارٌ وإمَّا مجاز (وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ) وفيه حسن الأدب إذ لم يصرِّح بلفظ الانهزام على المسلمين، وفي رواية عبد الوهاب الثَّقفي، عن حميد عند الإسماعيليِّ (( وانهزم الناس ) ) (قَالَ) أي أنسُ بن النَّضر (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ؛ يَعْنِي أَصْحَابَهُ) والمعنى أعتذرُ من فرار المسلمين (وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ؛ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ) أي وأبرأُ من قتال المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ تَقَدَّمَ) أي أنس بن النضر نحو المشركين.

(فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) بضم الميم، وكان سيِّد الأوس، وكان ثبتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ، وزاد ثابت عن أنسٍ منهزمًا، كذا في «مسند الطيالسي» ووقع عند النسائيِّ مكانها مَهْيَم. وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو تصحيفٌ فيما أظنُّ.

(فَقَالَ يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ) بالنصب؛ أي أريد الجنَّة، وبالرفع؛ أي مَطلوبي الجنَّة (وَرَبِّ النَّضْرِ) كأنَّه يريد والده، ويحتمل أن يريدَ ابنه فإنَّه كان له ابن يسمَّى النَّضر، وكان إذ ذاك صغيرًا، وفي رواية عبد الوهاب (( فوالله ) )، وفي رواية عبد الله بن بكر، عن حميدٍ عند الحارثِ بن أسامة، عنه (( والذي نفسي بيده ) ).

(إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا) أي ريح الجنَّة (مِنْ دُونِ أُحُدٍ) أي عند أُحُد، وفي رواية ثابت (( واهًا لريح الجنَّة أجدها دون أحد ) )وقوله واهًا، قالها إمَّا تعجُّبًا وإمَّا تشوُّقًا، فكأنَّه لما ارتاحَ لها واشتاقَ إليها صارت له قوَّة من استنشقها حقيقةً.

قال ابن بطَّال وغيره يحتملُ أن يكون على الحقيقة، وأنَّه وجد ريح الجنَّة حقيقةً، أو وجد ريحًا طيِّبةً ذكَّره طيبُها بطيب ريح الجنَّة، ويجوز أن يكون أراد أنَّه استحضر الجنَّة التي أعدَّت للشَّهيد، فتصوَّر أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه فيكون المعنى إنِّي لأعلم أنَّ الجنة تكتسب في هذا الموضع فاشتاق لها.

(قَالَ سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ) أي أنس بن النَّضر، قال ابن بطَّال يريد ما استطعتُ أن أصفَ ما صنعَ أنسٌ من كثرةِ ما أبلى في المشركين.

وقد وقع عند يزيد بن هارون عن حُميد (( فقلت أنا معك فلم أستطع أن أصنع ما صنعَ ) ).

ج 13 ص 217

وظاهره أنَّه نفى استطاعة إقدامه الَّذي صدر منه حتَّى وقع له ما وقع من الصَّبر على تلك الأهوال بحيث وجدَ في جسدِهِ ما يزيد على الثَّمانين من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ، فاعترف سعد بأنَّه لم يستطعْ أن يقدمَ إقدامه ولا يصنع صنيعه مع أنَّه شجاعٌ كامل القوَّة، وهذا أولى ممَّا تأوَّله ابن بطَّال، بل هو الصَّواب.

(قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ) أي فوجدناه بين القتلى وبه بضعًا وثمانين.

قال الحافظ العسقلانيُّ لم أر في شيءٍ من الرِّوايات بيان هذا البِضع، وقد تقدَّم أنه ما بين الثلاث إلى التسع، وأنه بكسر الباء وبعض العرب يفتحها.

(ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ) كلمة أو هنا للتَّنويع، ويحتمل أن تكون بمعنى الواو، وتفصيل مقدار كلِّ واحدٍ من المذكورات غير متعيِّنٍ (وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ) على البناء للمفعول (وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ) بتخفيف المثلثة المفتوحة وقد تشدد، وهو من المُثْلة، بضم الميم وسكون المثلثة، بمعنى قطع الأعضاء من أنفٍ وأذنٍ ونحوهما (فَمَا عَرَفَهُ) بفتح الراء المخففة (أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ) والبنان الإصبع، وقيل طرف الإصبع، وفي رواية ثابت عن أنس (( فقالت عمَّتي الرُّبَيِّع بنت النَّضر أخته فما عرفت أخي إلا ببنانه ) )، وزاد النسائيُّ من هذا الوجه (( وكان حسن البنان ) ). وفي رواية محمد بن طلحة بالشك (( ببنانه أو بشامة ) )بالشين المعجمة، والأولى أكثر، والثانية أوجه، والله تعالى أعلم.

(قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كُنَّا نُرَى) بضم النون (أَوْ نَظُنُّ) شكٌّ من الرَّاوي، وهما بمعنى واحد، وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون، عن حميد فكنَّا نقول، وكذا لعبد الله بن بكر، وفي رواية أحمد بن سنان، عن يزيد (( فكانوا يقولون ) )أخرجه ابن أبي حاتم عنه والتردُّد فيه عن حميد (أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) ووقع في رواية ثابت (( وأنزلت هذه الآية ) )بالجزم.

- (وَقَالَ) أي أنس رضي الله عنه

ج 13 ص 218

(إِنَّ أُخْتَهُ) أي أخت أنس بن النَّضر (وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة، وهي عمَّة أنس بن مالك رضي الله عنه (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ) أي ابن النَّضر (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ) أي الدِّية (وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ) أي أبرَّ قسمه، وهو ضدُّ الحنث، وقصَّة الرُّبيع هذه قد مضت في كتاب الصُّلح، في باب الصُّلح في الدية [خ¦2703] .

وفي الحديث جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شقَّ على النفس حتَّى يصل إلى إهلاكها، وإنَّ طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النَّهي عن الإلقاء إلى التَّهلكة. وفيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحَّة الإيمان وكثرة التوقِّي والتورُّع وقوَّة اليقين.

ومطابقتُه للترجمة ظاهرة.

تتمة قال الزين ابن المنيِّر من أبلغ الكلام وأفصحه قول أنس بن النَّضر في حقِّ المسلمين (( أعتذر إليك ) )، وفي حقِّ المشركين (( أبرأ إليك ) )، فأشار إلى أنَّه لم يرض بالأمرين جميعًا، مع تفاوتهما في المعنى.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في غزوة أحد من المغازي [خ¦4048] بيان ما وقعت الإشارة إليه هنا من انهزام بعض المسلمين ورجوعهم وعفو الله عنهم رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت