فهرس الكتاب

الصفحة 7587 من 11127

5124 - (وَقَالَ لِي طَلْقٌ) بفتح الطاء المهملة وسكون اللام بعدها قاف، ابن غَنَّام، بفتح الغين المعجمة وتشديد النون، ابن طَلْق بن معاوية، أبو محمد النَّخعي الكوفي، أحد مشايخ البخاري. قال ابنُ سعد مات في رجب سنة إحدى عشرة ومائتين (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) هو ابنُ قُدَامة، بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه قال في تفسير قوله تعالى ( {فِيمَا عَرَّضْتُمْ} يَقُولُ إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ) أي الشَّأن (تَيَسَّرُ لِي) بفتح المثناة الفوقية والتحتية والسين المهملة المشددة في الفرع كأصله، وضم الراء، وأصله تتيسر لي، بمثناتين فوقيتين فحذفت إحداهما للتَّخفيف. وضبطه الحافظ العسقلاني بضم التحتانية وفتح أخرى مثلها بعدها وفتح المهملة، ثمَّ قال وفي رواية الكُشْمِيْهَني بتحتانية واحدة وكسر المهملة. وتعقَّبه العيني بأنَّه لم أدر ما وجهه فيا ليته قال بضم تحتانية وتشديد السين المكسورة على البناء للمفعول، من التَّيسير للماضي.

(امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ) وهذا وما بعده تفسير للتَّعريض المذكور في الآية، وقد عرَّفه الزَّمخشري، وقال هو أن يذكرَ المتكلِّم شيئًا يدلُّ به على شيءٍ لم يذكره، وتُعُقِّبَ بأنَّ هذا التَّعريفَ لا يخرج المجاز.

وأُجِيْبَ عنه

ج 22 ص 385

بأنَّه لم يقصد التَّعريف. وقد حقَّق المحقِّق التَّفتازاني بأنَّه هو أن يذكرَ شيئًا مقصودًا في الجملة بلفظهِ الحقيقي أو المجازي أو الكنائي ليدلَّ بذلك الشَّيء على شيءٍ آخر لم يُذْكَر في الكلام مثل أن يذكرَ المجيءَ للتَّسليم بلفظه ليدلَّ على التَّقاضي وطلب العطاء، فالتَّسليم مقصودٌ وطلبُ العطاء عرض.

وقد أميل إليه الكلام من عرض أي جانب، ويكون المعنى المذكور أولًا مقصودًا امتازَ عن الكناية التي ليست كذلك فلم يلزم صدقه على جميع أقسام الكنايةِ، فمثل جئتك لأسلم عليك، كناية وتعريض، ومثل زيد طويل النَّجاد كناية لا تعريض، ومثل قولك في عرض من يؤذيك وليس المخاطب آذيتني فسَتَعْرِف، تعريضٌ بتهديدِ المؤذِي لا كناية.

ثمَّ إذا كان الاصطلاحُ على أنَّ التَّلويحَ اسمٌ للتَّعريض كانَ جَعْلُ السَّكاكيِّ التَّلويح اسمًا للكنايةِ البعيدة لكثرةِ الوسائِطِ مثل كثيرُ الرَّماد للمضياف اصطلاحًا جديدًا، ثمَّ إنَّ المصنِّف رحمه الله اقتصرَ في هذا الباب على حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الموقوف.

وفي الباب حديث صحيحٌ مرفوعٌ وهو قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس (( إذا حللتِ فآذنيني ) )، وهو عند مسلم. وفي لفظ (( لا تفوتيني بنفسك ) )أخرجَه أبو داود. وقد ظنَّ صاحب (( التوضيح ) )أنَّ ما أخرجه المصنِّف معلَّق وليس كذلك؛ لأنَّ قوله قال لي طَلْق، يدلُّ على أنَّه سَمِعَه من طَلْقٍ، ثمَّ قال أخرجه ابنُ أبي شيبة، عن جرير بنِ عبد الحميد بلفظ (( إنِّي فيك لراغب، وإني أريد امرأة أمرها كذا وكذا، ويعرضُ لها بالقول ) ).

(وَقَالَ الْقَاسِمُ) هو ابنُ محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (يَقُولُ) أي في التَّعريض (إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ) ويروى (وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ) وهذا يدلُّ على التَّصريح بالرغبة فيها، وإنَّه لا يكون تصريحًا حتى يصرِّح بمتعلق الرَّغبة، كأن يقول إني لفي نكاحك لراغبٌ.

(وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا) أي ومن جملة التَّعريض هذا القول (أَوْ نَحْوَ هَذَا) مثل أن يقول إني حريصٌ عليك، أو أسأل الله تعالى أن يَرزقني امرأةً صالحةً، أو من يجد مثلك؟ وأمثال هذا كثيرة. وهذا التَّعليق رواه ابنُ أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه في المرأة يتوفى عنها زوجها ويريدُ الرَّجل خطبتها وكلامها، يقول إنِّي بك لمُعْجَبٌ، وإنِّي عليكَ لَحَرِيصٌ، وإنِّي فيك لرَاغِبٌ، وأشباه ذلك.

ج 22 ص 386

وروى الدَّارقطني من طريق عبد الرَّحمن بن سليمان بن الغسيل، عن عمَّته سُكينة، قالت استأذنَ عليَّ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن، ولم تنقض عدَّتي من مهلك زوجي، فقال قد عَرَفْتِ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعِي في العرب، فقلت غفرَ الله لك يا أبا جعفر، أنت رجلٌ يُؤخذ عنك [1] تخطبني في عدَّتي، قال إنما أخبرتك بقرابتي من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (يُعَرِّضُ) بتشديد الراء، من التَّعريض (وَلاَ يَبُوحُ) أي لا يصرِّح في الخطبة، من باح بالشَّيء يبوحُ به إذا أعلنه. ومنه قول الشَّاعر

~احْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ مَالٍ وَعِرْضٍ مَا حَييتَ وَمَذْهَبِ [2]

~فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ بِمُكَفِّرٍ وَبِحَاسِدٍ وَمُكَذِّبٍ

(يَقُولُ إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي) بقطع الهمزة (وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللَّهِ نَافِقَةٌ) بالنون والفاء والقاف؛ أي رائجة، بالهمزة والجيم (وَتَقُولُ هِيَ) أي المرأة (قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، وَلاَ تَعِدُ) بكسر المهملة وتخفيف الدال، من الوعد (شَيْئًا) أي المرأة لا تعِدُ لَه بالعَقْدِ، وإنَّها لا تتزوَّج غيره مثلًا، ولا تقول شيئًا غير قولها أسمعُ ما تقول.

(وَلاَ يُوَاعِدُهُ) أي الرجل (وَلِيُّهَا) أي الذي يلي أمرها بالرفع فاعل ولا يواعده، وفي اليونينية بجزم يُواعد على النَّهي ونصب وليها على المفعولية.

(بِغَيْرِ عِلْمِهَا، وَإِنْ وَاعَدَتْ) أي المرأة (رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا) أي تزوجها (بَعْدُ) أي بعد انقضاء عدتها (لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا) لصحَّة العقد وعدم المانع، وإن صرَّح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلَّا بعد انقضاء العدَّة صحَّ العقد عند أبي حنيفة والشَّافعي، ولكن ارتكب النَّهي بالتَّصريح المذكور لاختلاف الجهة. وقال مالك يفارقها دخل أو لم يدخل، ولو وقع العقدُ في العدة ودخل بها يفرق بينهما بلا خلاف بين الأئمة. وقال مالك واللَّيث والأوزاعي لا يحلُّ له نِكَاحُها بعد ذلك. وقال الباقون بل يحلُّ له إذا انقضت العدَّة أن يتزوَّجها إن شاء. وقال المهلَّب علَّة المنع من التَّصريح في العدة أنَّ ذلك ذريعة إلى المواقعة في العدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المُطَلِّق. انتهى.

ج 22 ص 387

وتُعُقِّبَ بأنَّ هذه العلَّةَ تَصْلُحُ أن تكون لمنع العَقْدِ لا لمجرَّد التَّصريح، إلَّا أن يقال التَّصريح ذريعةٌ إلى العَقْد، والعقدُ ذريعةٌ إلى الوِقَاع، وأثر عطاء هذا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج عنه مُفَرَّقًا. وأخرجه الطَّبري من طريق ابن المبارك عن ابن جُريج، قال قلت لعطاء كيف يقول الخاطب؟ قال يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا، ولا يبوحُ بشيءٍ، فذَكَرَ مِثْلَه إلى قوله ولا تَعِدُ شيئًا. وذكر عبد الرَّزاق عن ابن جُريج عقب أثر عطاء، قال وبلغني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال خيرٌ لك أن تُفَارِقَها.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري في تفسير السرِّ ( {لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} الزِّنَا) أي أنَّ المراد بالسرِّ الزِّنى، وصله عبدُ بن حميد من طريق عمران بن حُدير عنه بلفظه، وأخرجه عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر، عن قتادة، عن الحسن قال هو الفاحشة. وقال قتادة قوله {سرًا} أي لا تأخذ عهدها في عدتها أن لا تتزوجَ غيرَه. وأخرجه إسماعيل القاضي في (( الأحكام ) )وقال هذا أحسنُ من قول من فسَّره بالزنا؛ لأنَّ ما قبل الكلام وما بعده لا يدلُّ عليه. ويجوز في اللغة أن يسمَّى الجماع سرًا، فلذلك يجوز إطلاقه على العقد، ولا شكَّ أن المواعدة على ذلك يزيد على التَّعريض المأذون فيه. وقال الشَّعبي مثل ما قال قتادة، وقال ابن سيرين يلقى الولي فيذكر عنه رغبة وحرصًا. وقال الشَّافعي هو الجماعُ وهو التَّصريح بما لا يحلُّ له في حالته تلك، وقد قال إبراهيم النَّخعي وأبو الشَّعثاء مثل ما قال الحسن، ولكن فيه تأمَّل؛ لأنَّ الزنا لا يجوز المواعدة به لا سرًا ولا جهرًا.

وقد استدلَّ بالآية على أنَّ التَّعريض في القذف لا يوجب الحدَّ؛ لأنَّ خطبة المعتدة حرامٌ، وفرق فيها بين التَّصريح والتَّعريض، فمنع التَّصريح وأجيز التَّعريض مع أنَّ المقصودَ مفهومٌ منهما، فكذلك يفرق في إيجاب حدِّ القذف بين التَّصريح والتَّعريض.

واعترضَ ابنُ بطَّال فقال يلزم الشَّافعية على هذا أن يقولوا بإباحة التَّعريض بالقذف، وليس بلازم؛ لأنَّ المرادَ أنَّ التَّعريضَ دون التَّصريحِ في الإِفْهام فلا يلتحقُ به في إيجابِ الحدِّ؛ لأنَّ للذي يُعَرِّضُ أن يقول

ج 22 ص 388

لم أُرِدِ القذفَ بخلاف المُصَرِّح.

(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما على البناء للمفعول ( {يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} تَنْقَضِي الْعِدَّةُ) أي حتى تنقضِي العدَّة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتَملي ؛ أي المراد ببلوغ الكتاب أجله هو انقضاءُ العدة. وصلَه الطَّبري من طريق عطاء الخراساني عنه به قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة 235] يقول حتى تنقضيَ العدَّة. وقد حرَّم الله تعالى عقدَ النِّكاح في العدَّة بقوله تعالى {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [البقرة 235] وهذا من المحكم المجمع على تأويله أن بلوغ أجلهِ هو انقضاءُ العدَّة، وأباح التَّعريض في العدَّة. واتَّفق العلماء على أنَّ المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدَّة من الطَّلاق البائن، وكذا مَنْ وَقَفَ نِكَاحُها.

وأمَّا الرَّجعية فقال الشَّافعي العدَّة التي أذن الله تعالى بالتَّعريض فيها هي العدَّة من وفاة الزَّوج ولا أحب ذلك في الطَّلاق البائن احتياطًا، وأمَّا التي لزوجها عليها رجوع فلا يجوز لأحدٍ أن يعرضَ لها بالخطبة فيها. وذكر ابنُ أبي شيبة جواز التَّعريض عن مجاهد والحسن وعبيدة السَّلماني وسعيد بن جبير والشَّعبي وأبي الضُّحى. وقال إبراهيم لا بأس بالهدية في تعريض النِّكاح، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل قوله يؤخذ عنك أي المسائل الشرعية.

[2] في هامش الأصل سن ومال ما حييت ومذهب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت