5203 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المديني، قال (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الفزاري، بالفاء والزاي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ) بفتح التحتية وسكون العين المهملة وضم الفاء وسكون الواو وآخره راء مهملة، وهو المشهورُ بالأصغر، واسمه عبد الرَّحمن بن عبيد، كوفي ثقةٌ، ليس له في البُخاري إلَّا هذا الحديث، وآخر تقدَّم في آخر ليلة القدر [خ¦2024] حَدَّثَ به أيضًا عن أبي الضُّحى.
(قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى) هو مسلم بن صبيح، لم يذكر ما تذاكروا به، وقد أخرجه النَّسائي عن أحمد بن عبد الحكم، عن مروان بن معاوية بالإسناد الذي أخرجه البُخاري فأوضحه ولفظه (( تذاكرنا الشهر فقال بعضُنا ثلاثين، وقال بعضنا تسعًا وعشرين، فقال أبو الضحى حدثنا ابن عبَّاس ) ). وكذا أخرجه أبو نعيم من وجه آخر، عن مروان بن معاوية وقال فيه (( تذاكرنا الشهر عند أبي الضحى ) ).
(فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الواو فيه للحال (يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ النَّاسِ) كلمة إذا للمفاجأة، وملآن، بالنون،
ج 22 ص 626
على وزن فعلان، كذا هو في الأصول.
وقال ابن التِّين عند أبي الحسن القابسي بلا نون على التأنيث، وعند غيره وهو الصَّحيح، وإنما ملأى نعتٌ للمؤنث، فإن أُرِيدَ البُقعة يَصِحُّ ذلك.
وهذا ظاهرٌ في حضور ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذه القصَّة، وحديثُه الطَّويلُ الذي مضى قريبًا يُشْعِرُ بأنَّه ما عَرَفَ القِصَّة إلَّا من عُمر رضي الله عنه، لكن يُحتمل أن يكون عَرَفَها مجملةً ففصَّلها عمر رضي الله عنه له لما سأله عن المتظاهرتين.
(فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ) وفي رواية النَّسائي (( في عُلِّيَّة ) )بمهملة مضمومة وقد تكسر وبتشديد اللام المكسورة وتشديد التحتية، وهي المكان العالي وهو الغرفة، وقد تقدَّم أنَّها كانت مَشْرُبة. وزاد الإسماعيلي من طريق عبد الرَّحيم بن سليمان، عن أبي يعفور (( في غرفة ليس عنده فيها إلَّا بلال ) ).
(فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ) بالتِّكرار ثلاثًا (فَنَادَاهُ) فعل ومفعول، وهو الضَّمير المنصوب الذي يرجعُ إلى عمر رضي الله عنه، ولم يذكر الفاعل في النُّسخ الموجودة. ووقع في رواية أبي نُعيم مصرَّحًا بأن الذي ناداه بلال رضي الله عنه، ولفظُه بعد قوله فلم يُجِبْه أحدٌ (( فانصرف فناداه بلالٌ فسلَّم ثمَّ دخل ) )، وكذا وقع في رواية النَّسائي هكذا، لكن قال (( فنادى بلال ) )بحذف المفعول، وهو الضَّمير في رواية غيره. وعند الإسماعيلي (( فسلَّم فلم يجبْه أحدٌ فانحطَّ فدعاهُ بلالٌ فسلَّم ثمَّ دخل ) )، قيل والظَّاهر أن ذكر الفاعل هنا سقط من النَّاسخ.
وقال العينيُّ لِمَ لا يجوز أن يكون الفاعل هو النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ عُمر رضي الله عنه صَعِدَ إلى الغُرفة التي فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم ووقف على الباب فسلَّم ولم يسمع شيئًا، هكذا ثلاث مرَّات، ثمَّ لما أراد الانصراف ناداه النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) واستشكلَ ما وقع في رواية أبي نُعيم
ج 22 ص 627
أنَّه ليس عنده فيها إلَّا بلال، وفي رواية مسلم عن ابن عبَّاس عن عُمر رضي الله عنهم أنَّ اسم الغلام الذي أَذِن له رباح، فلولا قوله في تلك الرواية (( ليس عنده فيها إلَّا بلال ) )يجوز أن يكونا جميعًا كانا عنده. لكن يجوز أن يكون بلالٌ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم في الغرفة، ورباح كان خارجَ الغُرفة على أسكفَّة الباب، كما تقدَّم، فلمَّا أذن النَّبي صلى الله عليه وسلم بَلَّغَه بلالٌ إلى رباح [1] ، ورباح نادى عمر رضي الله عنه، فيجتمع الخبران.
(فَقَالَ) يا رسول الله (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ لاَ، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) أي حلفت أن لا أدخل عليهنَّ شهرًا، كما تقدَّم بيانه (فَمَكَثَ) صلى الله عليه وسلم (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) ليلة كما في رواية (ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ) وفي الحديث مشروعيَّةُ هَجْرِ الرجلِ امرأته إذا وقع منها ما يقتضي ذلك كالنُّشوز، وما فُهِمَ من قوله تعالى {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء 34] أنَّه لا يهجرها في الكلام، وهو صحيحٌ فيما إذا زاد على ثلاثة أيام، ويجوز في الثلاثة كما في «الروضة» للحديث الصَّحيح (( لا يحلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث ) )فإن رُجي بالهجر صلاحُ دينٍ للهاجر أو المهجور فلا يحرمُ، وعليه يُحْمَلُ هجرُه صلى الله عليه وسلم كعبَ بن مالك وصاحبيه ونهيُه الصَّحابةَ عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجر السَّلف بعضِهم بعضًا.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه النَّسائي في الطَّلاق.
[1] في هامش الأصل وفي نسخة ناداه بلال فأسمعه رباح.