1323 - 1324 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) [1] الفضل بن دُكين السَّدوسي (قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأول وبالحاء المهملة والزاي في الثاني (قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر رضي الله عنهما.
(يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما _ بضم الحاء على صيغة البناء للمفعول _ كذا في جميع الطَّريق، ولم يُبَّين في شيء من الطُّرق عن نافع من حديث ابن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنهما بذلك.
ج 6 ص 379
ولكن قال الحافظ العسقلاني وقفتُ على تسمية من حدَّث ابن عمر رضي الله عنهما بذلك صريحًا في موضعين
أحدهما في «صحيح مسلم» بإسناده إلى داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حدَّثه عن أبيه أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة فقال يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من خرج مع جنازة من بيتها وصلَّى عليها، ثمَّ تبعها حتَّى تُدفن كان له قيراطان من الأجر مثل أحد، ومن صلَّى عليها ثمَّ رجع كان له قيراط من الأجر مثل أحد ) )فأرسل ابن عمر رضي الله عنهما خبابًا إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن قول أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذَ ابن عمر رضي الله عنهما قبضة من حصباء المسجد يقلِّبها في يده حتَّى رجع إليه الرَّسول فقال قالت عائشة رضي الله عنها صدق أبو هريرة رضي الله عنه، فضرب ابن عمر رضي الله عنهما بالحصباء الذي كان بيده، ثمَّ قال لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة.
والموضع الثَّاني في «جامع التِّرمذي» بإسناده إلى أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صلَّى على جنازةٍ فله قيراط، ومن تبعها حتَّى يقضيَ دفنها فله قيراطان أحدهما أو أصغرهما مثل أحد ) ).
قال أبو سلمة فذكرت ذلك لابن عمر رضي الله عنهما فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن ذلك فقالت صدق أبو هريرة رضي الله عنه، فقال ابن عمر رضي الله عنهما لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ) كذا في جميع الطُّرق لم يذكر فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن راشد، عن أبي النُّعمان شيخ البخاري فيه، لكن أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عن مهدي بن الحارث، عن موسى بن إسماعيل، وعن أبي أميَّة، عن أبي النُّعمان، وعن التستري عن شيبان ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن نافع قال قيل لابن عمر رضي الله عنهما إنَّ أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من تبع جنازة فله قيراط من الأجر ) )فذكره ولم يبيِّن لمن السِّياق. وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ كذلك، فالظَّاهر أنَّ السِّياق له.
(مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً) وصلَّى عليها (فَلَهُ قِيرَاطٌ) وقد زاد مسلم في روايته قوله (( من الأجر ) )والقِيراط _ بكسر القاف _، قال الكرماني القيراط لغة نصفُ دانقٍ، والمقصود منه هنا النَّصيب.
هذا وقال الجوهريُّ أصله قرَّاط _ بالتشديد _؛ لأن جمعه قراريط، فأبدلَ من أحد حرفي تضعيفه ياء. ثمَّ قال والقيراط نصف دانق، وقال قبل ذلك الدَّانق سدس الدِّرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدِّرهم.
وأمَّا صاحب «النِّهاية» فقال القيراط جزء من أجزاء الدِّينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشَّام جزء من أربعة وعشرين جزءًا.
ونقل ابن الجوزي عن ابن عقيل أنَّه كان
ج 6 ص 380
يقول القيراطُ نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار. وقال أبو الوفاء ابن عقيل والمراد به هنا النَّصيب من الأجر المتعلِّق بالميِّت في تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية وحمل الطعام إلى أهله وسائر ما يتعلَّق به، فللمصلِّي عليه قيراط من ذلك، ولمن يشهد الدَّفن قيراط وهكذا.
وليس المراد جنس الأجر؛ لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والصَّلاة والحج وغيرهما، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وذكر القيراط تقريبًا للفهم؛ لأنَّ غالب ما يقع به معاملتهم كان بالقيراط فعدَّ من جنس ما يُعرف به الشَّيء وضَرب به المثل.
وقال الحافظ العسقلاني وقد روى البزَّار من طريق عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( من أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراط، فإن صلَّى عليها فله قيراط، فإن انتظرها حتَّى تدفنَ فله قيراط ) ).
فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عمل من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريطِ ولاسيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته.
وعلى هذا فيقال إنَّما خصَّ قيراطي الصَّلاة والدَّفن بالذِّكر لكونهما المقصودين بخلاف باقي أحوال الميِّت فإنها وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي في الصَّحيح المتقدِّم في كتاب «الإيمان» [خ¦47] فإنَّ فيه إن لمن كان معها حتَّى يصلِّي عليها ويفرغ من دفنها قيراطين فقط.
لكن يجاب عنه بأنَّ القيراطين المذكورين لمن شهد، وهذا لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميِّت فافترقا.
هذا وقد ورد لفظ «القيراط» في عدَّة أحاديث فمنها ما يحملُ على القيراط المتعارف. ومنها ما يحمل على الجزء في الجملة وإن لم يعرف النِّسبة.
فمن الأوَّل حديث كعب بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّكم ستفتحون بلدًا يذكر فيها القيراط ) ).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( كنت أرعى الغنم لأهل مكَّة بالقراريط ) ) [خ¦2262] . قال ابن ماجه عن بعض شيوخه يعني كلَّ شاة بقيراط، وقال غيره قراريط جبل بمكَّة. ومن المحتمل حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( الذين أوتوا الكتاب أعطوا قيراطًا ) )، وحديث الباب، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من اقتنى كلبًا نقص من عمله كلَّ يوم قيراط ) ) [خ¦2323] .
وقد جاء تعيين القيراط في حديث الباب بأنَّه مثل أحد، كما سيأتي الكلام عليه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1325 م] .
وفي رواية عند أحمد والطَّبراني في «الأوسط» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قالوا يا رسول الله مثل قراريطنا هذه؟ قال (( لا، بل مثل أحد ) ).
وقال النَّووي وغيره لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأنَّ عادة الشَّارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها.
وقال ابن العربي
ج 6 ص 381
الذَّرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبَّة، والحبَّة ثلث القيراط والذَّرة تخرج من النَّار فكيف بالقيراط، قال وهذا قدر قيراط الحسنات.
وقال غيره القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتنى له في ذلك اليوم. هذا والأكثر على أنَّ المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله تعالى، وقد قرَّبها النَّبي صلى الله عليه وسلم للفهم بتمثيله القيراط بأُحد.
وقال الطِّيبي قوله «مثل أُحد» ، تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أنَّه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأنَّ لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبيَّن الموزون بقوله «من الأجر» ، وبيَّن القدر المراد منه بقوله «مثل أُحد» هذا، وهذا تمثيل واستعارة.
ويجوز أن يكون حقيقة بأن يجعل الله عمله ذلك يوم القيامة في صورة عين توزن كما توزن الأجسام، ويكون قدر هذا كقدر أحد.
وقال الزَّين ابن المُنيِّر أراد تعظيم الثَّواب فمثَّله للعيان بأعظم الجبال خلقًا، وأكبرها في النُّفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنَّه الذي قال في حقِّه صلى الله عليه وسلم (( إنَّه جبل يحبُّنا ونحبه ) )انتهى.
والوجه الثَّاني ظاهر، وأمَّا الأوَّل ففيه نظر. وقال الحافظ العسقلاني مثَّله به لأنَّه قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، فلذا خصَّه بالتَّمثيل والله أعلم.
(فَقَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) أي في ذكر الأجر، أو في رواية الحديث كأنَّه خاف لكثرة رواياته أنَّه اشتبه عليه الأمر فيه لا أنَّه نسبه إلى رواية ما لم يسمعْ؛ لأنَّ مرتبتهما أجلُّ من ذلك.
وقال ابن التِّين لم يتَّهمه ابن عمر رضي الله عنهما بل خشي عليه السَّهو، أو قال ذلك لكونه لم ينقل له عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه رفعه، فظنَّ أنَّه قال برأيه فاستنكره، انتهى.
ووقع في رواية أبي سلمة عند سعيد بن منصور فبلغ ذلك ابن عمر رضي الله عنهما فتعاظمه. وفي رواية الوليد بن عبد الرَّحمن عند سعيد أيضًا ومسدد وأحمد بإسناد صحيحٍ، فقال ابن عمر رضي الله عنهما يا أبا هريرة انظر ما تحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم _يعني_ فأرسل ابن عمر رضي الله عنهما إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن ذلك.
(فَصَدَّقَتْ _ يَعْنِي عَائِشَةَ _ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنهما، لفظ «يعني» ، للبخاري كأنَّه شكَّ فاستعملها (وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ) أي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وقد رواه الإسماعيلي من طريق
ج 6 ص 382
أبي النُّعمان شيخه فلم يقلها.
وفي رواية مسلم (( فبعث ابن عمر رضي الله عنهما إلى عائشة رضي الله عنها يسألها فصدَّقت أبا هريرة رضي الله عنه ) ). وفي رواية أبي سلمة عند التِّرمذي (( فذكرتُ ذلك لابن عمر رضي الله عنهما، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها فسألها عن ذلك فقالت صدق ) )وقد ذكرناه آنفًا.
ووقع في رواية الوليد بن عبد الرَّحمن عند سعيد بن منصور (( فقام أبو هريرة فأخذَ بيده فانطلقنا حتَّى أتينا عائشة رضي الله عنها فقال لها يا أمَّ المؤمنين أنشدك الله أسمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. فذكره، فقالت اللَّهم نعم ) ).
ويجمع بينهما بأنَّ الرَّسول لمَّا رجع إلى ابن عمر رضي الله عنهما بخبر عائشة رضي الله عنها بلغ ذلك أبا هريرة رضي الله عنه، فمشى إلى ابن عمر رضي الله عنهما فأسمعه ذلك من عائشة رضي الله عنها مشافهة.
وزاد في رواية الوليد فقال أبو هريرة رضي الله عنه لم يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودي [2] ، ولا صفق بالأسواق، وإنَّما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلة يطعمنيها، أو كلمة يعلِّمنيها، قال له ابن عمر رضي الله عنهما كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه.
(فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي من عدم المواظبة على حضور الدَّفن، بيَّن ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ... فذكره.
وفي هذه القصَّة دَلالة على تميُّز أبي هريرة في الحفظ، وأنَّ إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم، وأنَّ العالم يستغرب ما لم يصل إلى علمه.
وفيه عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ.
وفيه ما كانت الصَّحابة عليه من التَّثبت في الحديث النَّبوي والتَّحرز فيه والتَّنقيب عليه.
وفيه دَلالة على فضيلة ابن عمر رضي الله عنه من حرصه على العلم، وتأسفه على ما فاته من العمل الصالح.
وفيه في قوله «من تبع جنازة» دَلالة لمن قال المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها؛ لأنَّ ذلك هو حقيقة الاتباع حسًّا.
وقال ابن دقيق العيد الذين رجَّحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي؛ أي المصاحبة وهو أعمُّ من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدَّليل الدَّال على استحباب التَّقدم راجحًا، انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا الحكم واتباع الرَّجل غيره في اللُّغة والعرف عبارة عن أن يمشي وراءه فليس لما قاله وجه من الوجوه.
وأنت خبير بأنَّه عذر لابن دقيق العيد، كيف لا وقد اعترف بكونه مجازًا بعيدًا عن الإرادة، فافهم.
(فَرَّطْتُ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) كذا في جميع الطُّرق، وفي بعض النسخ ؛ أي ضيَّعت وهو أشبه، وقد جرى عادة البخاري أنَّه يفسر الكلمة الغريبة من الحديث إذا وافقت كلمة من القرآن، وهذا إشارة إلى قوله تعالى {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر 56] وفي رواية سالم المذكورة بلفظ (( لقد ضيَّعنا قراريط كثيرة ) )والله أعلم.
ج 6 ص 383
[1] بل محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان وهذا سبق قلم وأما الفضل بن دكين فهو أبو نعيم والبخاري هنا يحدث عن أبي النعمان لا غير.
[2] في هامش الأصل الوديِّ _ بتشديد الياء _ صغار الفسيل، والواحدة ودية، والفسيل صغار النخل. منه.