فهرس الكتاب

الصفحة 2090 من 11127

1322 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي البصري، قاضي مكَّة (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان الكوفي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل.

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الصَّحابة رضي الله عنهم (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) تقدَّم الكلام فيه عن قريب (فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا) بفائين (خَلْفَهُ) وهذا هو موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإمامة وتسوية الصُّفوف من سنَّة صلاة الجنازة.

قال الشَّيباني (فَقُلْنَا) للشَّعبي (يَابَا عَمْرٍو) أصله يا أبا عمرو، حذفت الهمزة للتخفيف (مَنْ) وفي رواية (حَدَّثَكَ) بهذا (قَالَ) حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قال ابن رُشَيد نقلًا عن ابن المرابط وغيره ما حاصله إنَّ المقصود من عقد هذا الباب الرَّدُّ على من يقول إنَّ الصَّلاة على الجنازة إنَّما هي دعاء لها واستغفار، فتجوز على غير طهارة.

وحاصل الرَّد أنَّه سمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، ولو كان الغرض الدُّعاء وحده لما أخرجهم إلى البقيع، ولَدَعا في المسجد وأمرهم بالدُّعاء معه أو التَّأمين على دعائه، ولما صفَّهم خلفه كما يصنع في الصَّلاة المفروضة والمسنونة، وكذا تكبيره في افتتاحها، وتسليمه في التَّحلل منها، كلَّ ذلك دالٌّ على أنَّها على الأبدان لا على اللِّسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنَّما لم يكن فيها ركوع وسجود؛ لئلَّا يتوهَّم بعض الجهلة أنَّها عبادة للميِّت فيضلُّ بذلك انتهى.

ونقل ابن عبد البر

ج 6 ص 376

الاتِّفاق على اشتراط الطَّهارة فيها إلَّا عن الشَّعبي قال ووافقه إبراهيم ابن عُليَّة وهو ممَّن يُرغب عن كثير من قوله. ونقل غيره أنَّ جرير الطَّبري وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاذٌّ غير معتدٍّ به.

ولذا استدلَّ البخاري بما ذكره ممَّا يدلُّ على جواز إطلاق الصَّلاة عليها وتسميتُها صلاة لمطلوبه من إثبات شرط الطَّهارة فيها. لكن اعترض عليه ابن رُشَيد بأنَّه إن تمسَّك بالعرف الشَّرعي عارضه عدم الرُّكوع والسُّجود، وإن تمسَّك بالحقيقة اللُّغوية عارضه الشَّرائط المذكورة ولو يستو التَّبادر في الإطلاق فيدَّعي الاشتراك لتوقَّف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة بخلاف ذات الرُّكوع والسُّجود، فتعيَّن الحمل على المجاز، انتهى.

وأُجيب عنه [1] بأنَّه لم يستدلَّ البخاري على مطلوبه بمجرَّد تسميتها صلاة، بل بذلك وبما انضمَّ إليها من وجود جميع الشَّرائط إلَّا الرُّكوع والسُّجود، وقد تقدَّم ذكر الحكمة في حذفهما منها فبقي ما عداهما على الأصل.

وقال الكرماني غرضُ البخاري بيان جواز إطلاق الصَّلاة على صلاة الجنازة، وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات ركوع وسجود، فاستدلَّ تارة بإطلاق اسم الصَّلاة عليه والأمر بها، وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصَّلاة نحو عدم التكلُّم فيها، وكونها مفتتحة بالتَّكبير مختتمة بالتَّسليم، وعدم صحَّتها إلا بالطَّهارة، وعدم أدائها عند الوقت المكروه، ورفع اليد وإثبات الأحقيَّة بالإمامة، وبوجوب طلب الماء لها وبقوله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} [التوبة 84] وبكونها ذات صفوف وإمام.

وحاصله أنَّ الصَّلاة لفظ مشترك بين ذات الأركان المخصوصة من الرُّكوع ونحوه، وبين صلاة الجنازة وهي حقيقة شرعيَّة فيهما، انتهى.

وقد قال بذلك غيره أيضًا، ولا يخفى أنَّ بحث ابن رُشَيد أقوى، ومطلوب المصنِّف حاصل بدون تلك الدَّعوى.

هذا وقال العيني «قول الكرماني وحاصله ... إلى آخره» فيه نظر؛ لأنَّ الصَّلاة في اللُّغة الدُّعاء والاتباع، وقد استعملت في الشَّرع فيما لم يوجد فيه الدُّعاء والاتباع كصلاة الأخرس المنفرد، وصلاة من لا يقدر على القراءة.

ثمَّ إنَّ الشَّارع استعملها في غير معناها اللُّغوي، وغلب استعمالها فيه بحيث يتبادر الذِّهن إلى المعنى الذي استعملها الشَّارع فيه عند الإطلاق، وهي مجازٌ هجرت حقيقته بالشَّرع فصارت حقيقة شرعيَّة، وليست

ج 6 ص 377

بمشتركة بين الصَّلاة المعهودة في الشَّرع وبين صلاة الجنازة، فلا تكون حقيقة شرعيَّة فيهما.

ولا يفهم من كلام البخاري الذي نقله عنه الكرماني أنَّ إطلاق لفظ «الصَّلاة» على صلاة الجنازة بطريق الحقيقة، ولا بطريق الاشتراك بين الصَّلاة المعهودة، وصلاة الجنازة، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل والمجيب هو الحافظ العسقلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت