فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 11127

318 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد البصري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم المهملة مصغَّرًا (بْنِ أَبِي بَكْرٍ) ابنُ أنس بن مالك الأنصاري، أبو معاذ، روى عن جدِّه أنس رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم في أوائل كتاب «الإيمان» [خ¦13] .

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه،

ج 2 ص 550

ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وفيه الرواية عن الجد، وقد أخرج متنه المؤلِّف في خلق آدم [خ¦3333] ، وفي القدر أيضًا [خ¦6595] ، وأخرجه مسلم في القدر أيضًا (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ) بالتشديد كما في قوله تعالى {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة 12] .

وقال الحافظ العسقلاني وقع في روايتنا بالتخفيف، يقال وكَّله بكذا إذا استكفاه إياه وصرف أمره إليه.

(بِالرَّحِمِ مَلَكًا، يَقُولُ) عند وقوع النطقة في الرحم كما هو الظاهر من السياق (رَبِّ) بحذف ياء المتكلم (نُطْفَةٌ) أي هذه نطفة أو خلقت يا رب نطفة، أو صار نطفة، على اختلاف الروايتين رفعًا ونصبًا، وهي بضم النون.

قال الجوهري النطفة الماء الصافي قلَّ أو كثُر، والجمع النِّطاف، ونَطَفَانُ الماءِ بالتحريك سَيَلانُه، وقد نَطَف ينطُفُ وينطِفُ من باب نَصَر وضَرَب، وليلةٌ نطوفٌ تمطر إلى الصَّباح، ويقال جمع النطفة نُطَف أيضًا، وكل شيء خفي نطفة ونِطافة، وأصله الماء القليل يبقى في الغدير، أو السقاء، أو غيره من الآنية، ويقال له ما دام نطفة صَراة، ذكره ابن سيده، والمراد به هاهنا المني.

(يَا رَبِّ عَلَقَةٌ) بوجهي الإعراب وهي بفتح اللام، قال الأزهري في (( التهذيب ) )العلقة الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل لهذه الدابة التي تكون في الماء علقة؛ لأنها حمراء كالدم، وكل دم غليظ علق.

وفي (( الموعب ) )العلق الدم ما كان، وقيل هو الجامد قبل أن ييبس، وقيل هو ما اشتدت حمرته.

وفي (( المغيث ) )هو ما انعقد، فقيل لليابس كأنَّ بعضه علق ببعض تعقدًا ويبسًا.

(يَا رَبِّ مُضْغَةٌ) بالرفع والنصب أيضًا، وهي قطعة لحم.

وفي (( الغريبين ) )وجمعها مُضَع، ويقال مضيغة، ويجمع على مضائغ، ويقال المضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ.

وفي (( المحكم ) )قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنَّا لا نتغافل المُضَغَ بيننا؛ أراد الجراحات، وسماها مضغًا على التشبيه بمضغة الإنسان في حلقه، يذهب بذلك إلى تصغيرها وتقليلها، ثمَّ إن هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملك في أوقات متعددة بين كل وقتين أربعون يومًا، كما سيجيء تفصيله في وقت واحد، حتى يَرُدَّ الشبهةَ بأنَّ الشيءَ الواحدَ كيف يكون نُطْفَةً عَلَقةً مُضْغَة؟

ثمَّ إنَّ المراد من هذه الأخبار الثلاثة التماس إتمام خلقه، والدعاء بإفاضة

ج 2 ص 551

الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام عن ذلك ونحوهما، ومثل هذا كثير في كلام العرب حتى في القرآن الحكيم حيث قال تعالى حكاية عن أم مريم عليهما السلام {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران 36] فإنه لإظهار التحسر والتأسف، فلا يقال كيف هذا الكلام، إذ ليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها؛ لأن الله تعالى علام الغيوب.

(فَإِذَا أَرَادَ) الله تعالى (أَنْ يَقْضِيَ) وفي رواية الأَصيلي أي يتم (خَلْقَهُ) أي خلق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة، ثمَّ صارت مضغة، وهو المراد بقوله (( مخلقة ) )ويعلم منه بالضرورة أنه إذا لم يرد خلقه تكون غير مخلقة، وقد صرح بذلك في حديث رواه الطبراني بإسناد صحيح من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال يا رب مخلقة، أو غير مخلقة؟، فإن قال غير مخلقة، مجها الرحم دمًا، وإن قال مخلقة، قال يا رب فما صفة هذه النطفة؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب» ، وهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأن الإخبار عن شيء لا يدركه العقل محمول على السماع.

وقد ورد في حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدَّثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود يرفعه (( إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفِّه قال أي رب، أذكر أم أنثى؟ ) )إلى آخر الحديث، وهذا هو وجه مطابقة الحديث للترجمة.

(قَالَ) أي الملك الموكل (أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى) أي أذكر هو أم أنثى، ويروى بالنصب، فوجه هذه الرواية إن صحت أن يقدر أتريد، أو أتخلق ذكرًا أم أنثى؟ (شَقِيٌّ) أي عاص لك (أَمْ سَعِيدٌ) أي مطيع، ويروى والكلام فيه مثل الكلام في قوله (( أذكر أم أنثى ) )وحَذَفَ فيه أداة الاستفهام؛ لدلالة السَّابق عليه.

قال الملك (فَمَا الرِّزْقُ) الرزق في كلام العرب الحظ، قال الله تعالى {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة 82] ؛ أي حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره، وقيل الرزق كل شيء يؤكل، أو يستعمل، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون 10] ، فلو كان الرزق هو الذي أكل لما أمكن إنفاقه، وقيل الرزق هو ما يملك، وهو أيضًا باطل؛

ج 2 ص 552

لأن الإنسان قد يقول اللهم ارزقني ولدًا صالحًا، وزوجة صالحة، ولا يملك الولد والزوجة.

وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحظرُ على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، ولما فسرت المعتزلة الرزق بهذا قالوا الحرام لا يكون رزقًا، وقال أهل السنة الحرام رزق؛ لأنه في أصل اللغة الحظ والنصيب؛ لما ذكرنا، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظًا له ونصيبًا، فوجب أن يكون رزقًا واجبًا، قال الله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود 6] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة مثلًا، فوجب أن يقول طول عمره لم يأكل من رزقه شيئًا.

(وما الأَجَلُ) ويروى بدون كلمة ما، والأجل هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يطلق على غاية المدة، وعلى المدة.

(فَيَكْتُبُ) على صيغة المعلوم، والضمير يرجع إلى الله تعالى، وإلى الملك، ويُروى على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجب أن تكون حقيقيه؛ لأنها أمر ممكن، والله على كل شيء قدير، وقد روي أنها تكتب على جبهته، ويجوز أن تكون مجازًا عن التقدير والإلزام، وعدم الانفكاك عنه، وفي رواية .

(فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ظرف لقوله (( يكتب ) )وهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه كما تقول كتبت في الدار، فإن في الدار ظرف لقولك كتبت، والمكتوب عليه خارج عن ذلك، والتقدير أزلي، وهو أمر عقلي محض، ويسمى قضاء، والحاصل في البطن تعلقه بالمحل الموجود، ويسمى قدرًا، والمكتوب هو الأمور الأربعة المذكورة.

اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله وكل بالرحم ملكًا ) )ظاهره أن بعثه إليه عند وقوع النطفة في الرحم كما قدمنا، ولكن فيه روايات مختلفة

ففي (( الصحيح ) )من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمَّ يرسل الملَك، فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد ) )وظاهره إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية (( يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول يا رب شقي أم سعيد ) ).

ج 2 ص 553

وعند مسلم (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون ) )، وفي أخرى (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ) )، وفي رواية حذيفة بن أسيد (( أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثمَّ يَتَسَوَّرُ عليها الملك ) )، وفي أخرى (( إن مَلَكًَا وكِّل بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له ليضع ) ).

وجمع العلماء بين ذلك أن الملك يلازمه ويراعي حال النطفة في أوقاتها، وأنه يقول يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وهو أعلم، ولكلام الملك وتصرفه أوقات

أحدها حين يكون نطفة.

وثانيها حين تكون علقة، وهو أول علم الملك أنه ولد، إذ ليس كل نطفة تصير ولدًا، وذلك عقيب الأربعين الأولى،

ج 2 ص 554

وحينئذ يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثمَّ للملك فيه تصرف آخر وهو تصويره وخلق سمعه وبصره، وكونه ذكرًا أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح فيه؛ لأن النفخ لا يكون إلا بعد تمام صورته، والرواية السالفة (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ) )ليست على ظاهرها كما قاله عياض وغيره، بل المراد أنه يكتب ذلك، ثمَّ يفعله في وقت آخر، لأن التصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة كما قال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون 12] الآيات، ثمَّ يكون للملك فيه تصرف آخر، وهو نفخ الروح، وهو عقيب الأربعين الثالثة.

واتفق العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، قال القاضي عياض وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام، وقيل إنه الحكمة في عدتها عن الوفاة بتمام أربعة أشهر والدخول في الخامس، إذ تتحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حَمْل.

وقال الراغب وذكر الأطباء أن الولد إذا كان ذكرًا يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإذا كانت أنثى بعد أربعة أشهر، فإن قيل وقع في رواية البخاري (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثمَّ يكون علقة مثله، ثمَّ يكون مضغة مثله، ثمَّ يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله، وشقي أم سعيد، ثمَّ ينفخ فيه الروح ) )فأتى بكلمة (( ثم ) )التي هي تقتضي التراخي في الكتب بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى، فالجواب أن قوله (( ثمَّ يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب ) )عطف على قوله (( يجمع في بطن أمه ) )ويكون قوله ثمَّ يكون علقة، ثمَّ يكون مضغة مثله معترضًا بين المعطوفين، وذلك جائز موجود في القرآن.

وقال القاضي عياض والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها، والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرّح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول يا رب نطفة يا رب علقة.

وقوله في حديث أنس رضي الله عنه (( وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال يا رب أذكر أم أنثى ) )لا يخالف ما قدمنا، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام، وإخبار عن حال أخرى فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثمَّ أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة كان كذا وكذا.

ثمَّ اعلم أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص، إذ فيه بيان حال المبدأ وهو ذاته ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد وهو الشقاوة والسعادة، وما بينهما وهو الأجل وما يتصرف فيه وهو الرزق، وقد جاء أيضًا (( فَرَغَ اللهُ من أربع الخَلق، والخُلق، والأجل، والرزق ) )، والخلق بفتح الخاء إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمها إلى السعادة وضدها.

وقال المهلَّب إن الله تعالى عَلِمَ أحوال الخلق قبل أن يخلقهم، وهو مذهب أهل السنة.

وأجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخلق، واختلفوا فيمن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة.

فقال الأوزاعي ومالك تكون بالمضغة أم ولد مخلقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة، وعن ابن القاسم تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب لا تكون به أم ولد وتكون بالمضغة والعلقة.

وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق إصبع أو عين أو غير ذلك، فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة، ثمَّ المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويؤمر بإنفاذه وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك، ثمَّ إن نفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله تعالى عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء

ج 2 ص 555

عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سببًا عادة لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في الأسباب المعتادة، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت