6924 - 6925 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير _ بضم الموحدة وفتح الكاف _ المخزومي مولاهم المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ لَمَّا تُوُفِّي النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وكسر اللام على البناء للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه عند ابن خزيمة (( لمَّا توفِّي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتدَّ عامَّة العرب ) ). قال الطِّيبيّ يُريد غطفانَ وفَزارةَ وبني سُليمٍ وبني يُربوع، وبعضُ بني تميم وغيرُهم، فمنعوا الزَّكاة، فأراد أبو بكرٍ رضي الله عنه أن يقاتلهم.
(قَالَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( أتريد أن تقاتلَ العرب ) ) (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 29 ص 24
أُمِرْتُ)بضم الهمزة وكسر الميم (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كذا ساقه الأكثر.
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة ) )، وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه عند أبي داود (( حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ) ).
(فَمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، عَصَمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوز هدر دمهِ واستباحةُ ماله بسببٍ من الأسباب (إِلاَّ بِحَقِّهِ) أي إلَّا بحقِّ الإسلام من قتل نفس محرمةٍ، أو ترك صلاةٍ، أو منع زكاةٍ بتأويل باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) فيُترك مقاتلته، ولا يُفتّش باطنه هل هو مخلصٌ أم لا، فإنَّ ذلك إلى الله، وحسابه عليه.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الراء وتخفيفها (بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ) بأن أقرَّ بالصَّلاة، وأنكر الزَّكاة جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنَّما أطلق في أوَّل الحديث الكفر؛ ليشمل الصِّنفين، وإنَّما قاتلهم الصِّدّيق ولم يعذرْهُم بالجهل؛ لأنَّهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهُم إلى الرُّجوع، فلمَّا أصرُّوا قاتلهم.
وقال المازريُّ ظاهر السِّياق أنَّ عمر رضي الله عنه كان موافقًا على قتالِ من جحدَ الصَّلاة، فألزمه الصِّديق بمثله في الزَّكاة؛ لورودهما في الكتاب والحديث موردًا واحدًا، ثمَّ استدلَّ أبو بكرٍ رضي الله عنه بمنع التَّفرقة الَّتي ذكرها بقوله
(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يعني كما أنَّ الصَّلاة حقُّ النَّفس، فمن صلَّى عصم نفسه، ومن زكى عصمَ ماله، قال الطِّيبي فهذا الرَّد يَدلُّ على أنَّ عمر رضي الله عنه حمل الحقَّ في قوله (( عصم منِّي ماله ونفسه إلَّا بحقِّه ) )على غير الزَّكاة، وإلَّا لم يستقم استشهاده بالحديث على منع المقاتلة، ولا ردّ أبي بكرٍ رضي الله عنه بقوله (( فإنَّ الزَّكاة حقُّ المال ) ).
(وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين، الأنثى من ولد المعز، وفي رواية ذكرها أبو عبيد (( لو منعوني جديًا أدوط ) )وهو الصَّغير الفك والذَّقن، وهو يُفيدُ أنَّ رواية عناقًا مبالغة في التَّقليل لا العناق نفسها.
ج 29 ص 25
لكن قال النَّووي إن كانت صغارًا فماتت أمَّهاتها في بعض الحول، فتزكى بحول أمَّهاتها ولو لم تبق من الأمَّهات شيءٌ على الصَّحيح، ويتصوَّر فيما إذا مات معظم الكبار، وحدث صغار فحالَ الحول في الكبار على بقيَّتها وعلى الصِّغار.
(كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ) أي بالدَّليل الَّذي أقامه الصِّدِّيق وغيره (أَنَّهُ الْحَقُّ) لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهدَ لا يجوز له أن يقلِّد مجتهدًا، والمستثنى منه في قوله (( ما هو إلَّا أن رأيت ) )غير مذكورٍ؛ أي ليس الأمر شيئًا إلَّا علمي بأنَّ أبا بكر محقٌّ وهو نحو قوله تعالى {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية 24] هي ضميرٌ مبهمٌ يفسِّره ما بعده.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( الزَّكاة ) ) [خ¦1400] ، ومضى الكلام فيه، وسيجيء في (( الاعتصام ) )إن شاء الله تعالى [خ¦7285] .
تتمَّة قال الخطَّابي زعم الرَّوافض أنَّ حديث الباب متناقضٌ؛ لأنَّ في أوَّله أنَّهم كفروا، وفي آخره أنَّهم ثبتوا على الإسلام إلَّا أنَّهم منعوا الزَّكاة فإن كانوا مسلمين فكيف استحلُّوا قتالهم وسبي ذراريهم، وإن كانوا كفارًا فكيف احتجَّ على عمر بالتَّفرقة بين الصَّلاة والزَّكاة، فإنَّ في جوابه إشارةً إلى أنَّهم كانوا مقرِّين بالصَّلاة؟
قال والجواب عن ذلك أنَّ الَّذين نُسبوا إلى الرِّدَّة كانوا صنفين صنفًا رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنفًا منعوا الزَّكاة، وتأوَّلوا قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة 103] فزعموا أنَّ دفع الزَّكاة خاصٌّ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّ غيره لا يطهرهُم ولا يصلي عليهم، فتكون صلاته سكنًا لهم.
وإنَّما أراد عمر رضي الله عنه بقوله (( تقاتل النَّاس ) )الصِّنف الثَّاني؛ لأنَّه لا تردد في جواز قتل الصِّنف الأول، وقد أطالَ الكلام الحافظ العَسقلاني في هذا الباب.
ج 29 ص 26