4505 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، قال الحافظُ العسقلاني وقال صاحب «التوضيح» إسحاق هو ابنُ إبراهيم، كما صرَّح به أبو نعيم في «مستخرجه» ، وقال العيني روى البُخاري عن خمسة أنفسٍ كلٌّ منهم يُسمَّى إسحاق بن إبراهيم، والظَّاهر أنَّه إسحاق بن راهويه؛ لأنَّه روى عن رَوْح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق، قال (أَخْبَرَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وسكون الواو وبالمهملة، هو ابنُ عبادة قال (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّي، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح المكي، أنَّه (سَمِعَ) وفي رواية أبي الوقت بزيادة أنَّه (ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقْرَأُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (((وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ ) )) بضم الياء وتخفيف الطاء المفتوحة وتشديد الواو على البناء للمفعول، من طُوِّق، قال مجاهد يتحمَّلونه، وقد وقع عند النَّسائي من طريق ابن أبي نجيح عن عَمرو بن دينار (( يُطَوَّقونه ) )يُكلَّفونه، وهو تفسيرٌ حسنٌ؛ أي يُكلَّفون إطاقته.
وقال الكرماني أو التفعيل بمعنى السَّلب، فافهم، وفي نسخة ( {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة 184] ) زاد في رواية النَّسائي (( واحد ) )، وقوله {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} ، زاد في رواية النَّسائي «فزاد مسكينًا آخر» .
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لَيْسَتْ) أي هذه الآية (بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ، لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَلْيُطْعِمَانِ) كذا في اليونينية باللام، وسقطت من الفرع كغيره (مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ) أفطراه (مِسْكِينًا) هذا القول إشارةٌ إلى أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يرى النَّسخ في هذا، وخالفه الجمهور، وفي حديث سلمة الَّذي يأتي عن قريبٍ [خ¦4507] ما يدلُّ على أنَّها منسوخةٌ، وهذه القراءة تُضْعِف تأويل من زعم أنَّ لا محذوفة من القراءة المشهورة، وأنَّ المعنى وعلى الَّذين لا يطيقونه فديةٌ، وأنَّه كقول الشَّاعر
ج 19 ص 79
~فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا
أي لا أبرح، ورد بدَلالة القسم على النَّفي بخلاف الآية، ويثبت هذا التَّأويل أنَّ الأكثر على أنَّ الضَّمير في قوله {يُطِيقُونَهُ} للصِّيام، فيصير تقدير الكلام وعلى الَّذين يطيقون الصِّيام فديةٌ، والفدية لا تجب على المطيق إنَّما تجبُ على غيره.
والجواب عن ذلك أنَّ في الكلام حذفًا تقديره وعلى الذين يطيقون الصِّيام إذا أفطروا فديةٌ، وكان هذا في أوَّل الأمر عند الأكثر، ثمَّ نُسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر.
وقد تقدَّم في «الصِّيام» [خ¦1949 قبل] حديث ابنِ أبي ليلى قال حدَّثنا أصحابَ محمَّدٍ لما نزلَ رمضان شقَّ عليهم، فكان من أطعم كلَّ يومٍ مسكينًا ترك الصَّوم ممَّن يُطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك فنسختْهَا {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة 184] .
وأمَّا على قراءة ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فلا نسخ؛ لأنَّه يجعل الفدية على من تكلَّف الصَّوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويُكفِّر، وهذا الحكم باقٍ. قال الحافظُ العسقلاني وفي الحديث حجَّةٌ لقول الشَّافعي ومن وافقه أنَّ الشَّيخ الكبير ومن ذُكر معه إذا شقَّ عليهم الصَّوم فأفطروا فعليهم الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه.
واختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثمَّ قوي على القضاء بعدُ، فقال الشَّافعي وأحمد يقضي ويُطعم. وقال الأوزاعي والكوفيُّون لا إطعام، انتهى.
وقال العيني وحاصل الأمر أنَّ النَّسخ ثابتٌ في حقِّ الصَّحيح المقيم بإيجاب الصِّيام عليه بقوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة 185] ، وأمَّا الشَّيخ الفاني الهرم الَّذي لا يستطيع الصَّوم فله أن يُفطرَ ولا قضاء عليه، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يُطعمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا إذا كان ذا جدة، فيه قولان للعلماء أحدهما لا يجب كالصَّبي، وهو أحدُ قولي الشَّافعي، والثَّاني وهو الصَّحيح وعليه أكثر العلماء أنَّه يجب عليه فديةٌ عن كلِّ يومٍ، كما فسَّره ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما على قراءة (( يطوقونه ) )؛ أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعودٍ رضي الله عنه وغيره، وهو اختيار البُخاري حيث قال «وأمَّا الشَّيخ الكبير ... إلى آخره» ، كما مرَّ آنفًا.