1429 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسي (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ)
ج 7 ص 103
مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولم يسق المؤلِّف متن هذا السَّند، بل عطف عليه طريق مالك، فربَّما أوهم أنَّهما سواء، وليس كذلك لما قال أبو داود قال الأكثر عن حمَّاد بن زيد اليد العليا هي المنفقة، وقال واحدٌ عنه المتعفِّفة يعني؛ بعين وفائين، وكذا قال عبد الوارث، عن أيُّوب.
قال الحافظ العسقلاني فأمَّا الذي قال عن حمَّاد المتعفِّفة، بالعين والفائين، هو مسدَّد كذا رويناه عنه في «مسنده» وأمَّا رواية عبد الوارث فلمْ أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» من طريق سليمان بن حرب، عن حمَّاد بلفظ (( واليد العليا يد المعطي ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ مَن رواه عن نافع بلفظ المتعفِّفة، فقد صحَّف. انتهى. (ح) للتَّحويل قال
(وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملةٌ اسمية وقعت حالًا (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ) جملة فعليَّة وقعت حالًا أيضًا؛ أي كان يحضُّ الأغنياء عليها (وَالتَّعَفُّفَ) أي وكان يحضُّ الفقراء عليه (وَالْمَسْأَلَةَ) أي وكان يذمُّ المسألة.
وفي رواية مسلم عن قتيبة، عن مالك (( والتعفُّف عن المسألة ) )، ولأبي داود (( والتَّعفف منها ) )أي من الصَّدقة؛ أي مِنْ أَخْذِها.
(الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ) اسم فاعل من أنفق، ورواه أبو داود في رواية (( المتعفِّفة ) )كما مرَّ، ورجَّحه الخطَّابي قال لأن السِّياق في ذكر المسألة والتعفُّف عنها.
وقال الطِّيبي وتحرير ترجيحه أن يقال إنَّ قوله وذكر الصَّدقة والتعفُّف عن المسألة كلامٌ مجملٌ في معنى العفَّة عن السُّؤال.
وقوله اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، بيانٌ له وهو أيضًا مُبهم، فينبغي أن يفسَّر بالعفَّة ليناسب المجمل، وتفسيره بالمنفقة، غير مناسبٍ للمُجمل، لكن إنَّما يتمُّ هذا لو اقتصر على قوله اليد العليا هي المتعفِّفة ولم يعقبه بقوله
(وَ) اليد (السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) لدَلالتهما على علوِّ المنفقة، وسفالة السَّائلة ورذالتها، وهي ما يُستنكف منها، فظهر بهذا أنَّ ما في «الصَّحيحين»
ج 7 ص 104
أرجح من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً. ويؤيِّد ذلك ما روى الطَّبراني بإسنادٍ صحيح عن حكيم مرفوعًا (( يدُ الله فوق يد المعطي، ويدُ المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي ) ).
وروى الطَّبراني أيضًا من حديث عديٍّ الجذامي مرفوعًا (( يا أيُّها النَّاس تعلَّموا، فإنَّما الأيدي ثلاثة فيد الله العليا، ويد المعطِي الوسطى، ويد المعطَى السُّفلى فتعفَّفوا ) ).
وعند النَّسائي من حديث طارق المحاربي بلفظ قدمنا المدينة، فإذا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائمٌ على المنبر يخطب النَّاس وهو يقول (( يد المعطي العليا ) ).
فهذه الأحاديث متظاهرةٌ على أنَّ اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأنَّ السُّفلى هي السَّائلة، وهذا هو المعتمدُ وهو قول الجمهور. وبهذا يردُّ قول بعضهم فيما حكاه القاضي عياض العليا هي الآخذة، والسُّفلى المانعة، أو العليا هي الآخذة والسُّفلى المنفقة [1] ، وقد كان إذا أعطى الفقير العطيَّة يجعلها في يد نفسه، ويأمر الفقير أن يتناولها لتكون يد الفقير هي العليا أدبًا مع قوله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} الآية [التوبة 104] ، قال فلمَّا أضيف الأخذ إلى الله تواضع لله، فوضع يده أسفل من يد الفقير الآخذ.
ثم إنَّه قيل للآخذة السُّفلى سواءٌ كان بسؤالٍ أو بغير سؤال، وأباه قومٌ واستندوا على أنَّ الصَّدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدَّق عليه.
قال ابن العربي والتَّحقيق أن السفلى يد السَّائل، وأمَّا يد الآخذ فلا، لأنَّ يد الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عُليا وكلتاهما يمين. انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني وفيه نظرٌ لأنَّ البحث إنَّما هو في يد الآدميين، وأمَّا يد الله تعالى فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصَّدقة رضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلِّ حالٍ. وأما يد الآدميِّ فأربعة
يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار أنَّها عليا.
ثانيها يد السَّائل، وقد تضافرت بأنَّها سفلى سواء أخذت أم لا، وهذا موافقٌ لكيفية الإعطاء والأخذ غالبًا.
ثالثها يد المتَعَفِّفِ عن الأخذ ولو بعد أن تُمَدَّ إليه يد المُعْطِي مثلًا، وهذه توصف بكونها
ج 7 ص 105
عليا علوًا معنويًا.
رابعها يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمعٌ إلى أنَّها سُفلى وهذا بالنَّظر إلى الأمر المحسوس. وأما المعنوي فلا يَطَّرِدُ فقد تكون عليا في بعض الصُّور، وعليه يحمل كلام مَن أطلق كونها عُليا.
قال ابن حبَّان اليد المتصدِّقة أفضل من السَّائلة لا الآخذة بغير سؤال، إذ ربَّما كان الآخذ لما أُبيح له أفضل وأورع من الَّذي يعطي.
وأطلق آخرون من المتصوِّفة أنَّ اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا.
وقد حكى ابن قتيبة ذلك عن قومٍ، ثمَّ قال وما أرى هؤلاء إلَّا قومًا استطابوا السُّؤال، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الَّذي كان رقيقًا فأُعْتِقَ والمولى من أسفل هو السيِّدُ الذي أَعتْقَه. انتهى.
وفي مطلع «الفوائد» للعلَّامة جمال الدِّين ابن نباتة في تأويل الحديث المذكور إنَّ اليد هنا هي النِّعمة، فكأنَّ المعنى أن العطيَّة الجزيلة خيرٌ من العطيَّة القليلة، قال وهذا حثٌّ على المكارم بأوجز لفظ، ويشهد له أحد التَّأويلين في قوله ما كان عن ظهر غنى؛ أي ما حصل به للسَّائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدَّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسانٍ لم يظهر عليهم الغنى بخلاف ما لو أعطاها لرجلٍ واحد، قال وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأنَّ ذلك لا يستمرُّ؛ إذ رُبَّ من يأخذ خيرٌ عند الله ممَّن يعطي.
وقال الحافظ العسقلاني التَّفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في «مسنده» أنَّ حكيم بن حزام قال يا رسول الله ما اليد العليا؟ قال (( الَّتي تُعطي ولا تأخذ ) )فقوله ولا تأخذ صريحٌ في أنَّ الآخذة ليست بعليا، وكلُّ هذه التَّأويلات المتعسِّفة تضمحلُّ عند الأحاديث المتقدِّمة المصرِّحة بالمراد، فأولى ما فسَّر الحديث بالحديث.
ومحصَّل ما قيل في ذلك أنَّ أعلى الأيدي المنفقة، ثمَّ المتعفِّفة عن الأخذ، ثمَّ الآخذة بغير سؤالٍ، وأسفل الأيدي السَّائلة والمانعة، والله أعلم.
ثمَّ إنَّه ذكر أبو العبَّاس الدَّاني في «أطراف الموطَّأ» أنَّ التَّفسير المذكور
ج 7 ص 106
مدرجٌ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولم يَذكر مُسْتَندًا لذلك. نعم في كتاب «الصَّحابة» للعسكري بإسنادٍ له فيه انقطاع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كتب إلى بشر بن مروان إنِّي سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، ولا أحسب اليد السُّفلى إلَّا السَّائلة، ولا العليا إلَّا المعطية ) )، فهذا يشعر بأنَّ التفسير المذكور من كلام ابن عمر رضي الله عنهما.
ويؤيِّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال «كنَّا نتحدَّث أن اليد العليا هي المنفقة» . وفي الحديث إباحة الكلام للخطيب بكلِّ ما يصلح من موعظةٍ وعلم وقربة.
وفيه الحثُّ على الإنفاق في وجوه الطَّاعة. وفيه تفضيل الغِنى مع القيام بحقوقه على الفقر، لأنَّ العطاء إنَّما يكون مع الغنى، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك في حديث (( ذهب أهل الدُّثور بالأجور ) )في أواخر صفة الصَّلاة [خ¦843] . وفيه كراهة السُّؤال والتَّنفير عنه، ومحله إذا لم تدع إليه ضرورةٌ من خوف هلاكٍ ونحوه. وقد روى الطَّبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بإسنادٍ فيه مقال مرفوعًا (( ما المعطي من سعةً بأفضلَ من الآخذ إذا كان محتاجًا ) ).
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرجه مسلم، وأبو داود والنَّسائي في الزَّكاة.
[1] في هامش الأصل روى ذلك عن الحسن البصري ولم يوافق عليه.