وبناء على ما تقدم فإنني أرى أنه لا مانع من إعطاء الأعضاء والتبرع بها وزرعها بشرط الضرورة الملحة، والتحقق من الموت للمعطي، بإذنه المسبق أو إذن وليه، من مسلم إلى مسلم، ومن غير المسلم لغير المسلم، وبقدر الضرورة وليس من المسلم لغير المسلم، أو لمهدور الدم، كقاتل عمد أو مرتد أو زان محصن مستوجب للقصاص؛ لأن في هذا الأخير إعانة على الظلم والباطل، والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [90] وللحديث المتقدم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) [91] . ولا مانع من إعانة هذا الصنف الأخير لعل في ذلك ما يعيده إلى جماعة أهل الحق، تأليفًا لقلبه، وإحسانًا إليه، وأملًا في أن يكون عضوًا صالحًا في المجتمع.
كما أنني لا أرى فتح الباب على مصراعيه أمام الناس في التبرع بالأعضاء بل بحسب الحاجة وعلى قدر الضرورة، خشية أن ينقلب الأمر إلى امتهان كل جثة، وهذا ليس من باب الضرورة في شيء لما فيه من تشويه الأموات وإن كان بإذن مسبق منهم ولكن يطلب العضو عند الحاجة إليه، ولا بأس أن يكون عندنا الشيء اليسير من الأعضاء المحفوظة للحاجة الذي لا نضطر معه لطلب غيره، فإنه لا ضرر ولا ضرار، وإنه ليس من شك أن إفادة الناس بعضهم بعضًا دليل على الكرامة الإنسانية وليس عكسها. والله أعلم وأحكم.
الهوامش:
ــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة الإسراء، الآية 70.
[2] سورة فاطر، الآية 11.
[3] سورة الأنعام، الآية 38.
[4] سورة الإسراء، الآية 70.
[5] سورة التين، الآية 4.
[6] سورة المؤمنون، الآية 14.
[7] سورة الاسراء، الآية 33.
[8] سورة النساء، الآية 93.
[9] المغني لابن قدامة، ج7، ص723، ط3، القاهرة 1367هـ.
[10] انظر كشف أصول البزدوي، ج1، ص297، القاهرة 1307هـ.
[11] سورة النساء، الآية 29.