فالواجب على العاقل أن يتوجه بشراشره إلى الاشتغال بالأهم و الحزم له أن يكب طول عمره على ما الاختصاص لتكميل ذاته فيه أتم بعد ما حصل له من سائر العلوم و المعارف بقدر الحاجة إليها في المعاش و المعاد و الخلاص عما يعوقه عن الوصول إلى منزل الرشاد و يوم الميعاد و ذلك هو ما يختص من العلوم بتكميل إحدى قوتيه اللتين هما جهة ذاته و وجهه إلى الحق و جهة إضافته و وجهه إلى الخلق و تلك هي النظرية التي بحسب حاق جوهر ذاته من دون شركة الإضافة إلى الجسم و انفعالاته و ما من علم غير الحكمة الإلهية و المعارف الربانية إلا و الاحتياج إليه بمدخلية الجسم و قواه- و مزاولة البدن و هواه و ليس من العلوم ما يتكفل بتكميل جوهر الذات الإنسية- و إزالة مثالبها و مساويها حين انقطاعها عن الدنيا و ما فيها و الرجوع إلى حاق حقيقتها- و الإقبال بالكلية إلى باريها و منشئها و موجدها و معطيها إلا العلوم العقلية المحضة
الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة، ج 1، ص: 3
و هي العلم بالله و صفاته و ملائكته و كتبه و رسله و كيفية صدور الأشياء منه على الوجه الأكمل و النظام الأفضل و كيفية عنايته و علمه بها و تدبيره إياها بلا خلل و قصور و آفة و فتور و علم النفس و طريقها إلى الآخرة و اتصالها بالملإ الأعلى و افتراقها عن وثاقها «1» و بعدها عن الهيولى إذ بها يتم لها الانطلاق عن مضايق الإمكان و النجاة عن طوارق الحدثان «2» و الانغماس في بحار الملكوت و الانتظام في سلك سكان الجبروت- فيتخلص عن أسر الشهوات و التقلب في خبط العشوات و الانفعال عن آثار الحركات- و قبول تحكم دورات السماوات.
و أما ما وراءها فإن كان وسيلة إليها فهو نافع لأجلها و إن لم يكن وسيلة إليها- كالنحو و اللغة و الشعر و أنواع العلوم فهي حرف و صناعات كباقي الحرف و الملكات.