فهرس الكتاب
ما رأيت شيئا إلا و رأيت الله قبله و روي معه و فيه
و الكل صحيح فظهر و تبين أن هذا الإدراك البسيط للحق تعالى حاصل لكل أحد من عباده و لا يلزم من ذلك إدراكه تعالى بكنه ذاته لشي ء لامتناع ذلك بالبرهان كما مر.
و أما الإدراك المركب سواء كان على وجه الكشف و الشهود كما يختص بخلص الأولياء و العرفاء أو بالعلم الاستدلالي كما يحصل للعقلاء المتفكرين في صفاته و آثاره فهو ليس مما هو حاصل للجميع و هو مناط التكليف و الرسالة و فيه يتطرق
الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة، ج 1، ص: 118
الخطاء و الصواب و إليه يرجع حكم الكفر و الإيمان و التفاضل بين العرفاء و المراتب بين الناس بخلاف النحو الأول فإنه لا يتطرق إليه الخطاء و الجهالة أصلا كما في الفارسية-
دانش حق ذوات را فطرى است دانش دانش است كان فكرى است
فإذن قد انكشف أن مدركات الخمس كمدركات سائر القوى الإدراكية مظاهر الهوية الإلهية التي هي المحبوب الأول و المقصود الكامل للإنسان فبعينه يشاهده و ينظر إليه لا على وجه يعتقده الأشاعرة و بأذنه يسمع كلامه و بأنفه يشم رائحة طيبة و بجميع ظاهر بدنه يلمس لا على وجه يقوله المجسمة تعالى عن ذلك علوا كبيرا- فيدرك المحبوب الحقيقي بجميع القوى و الجوارح مع تقدس ذاته عن الأمكنة و الجهات- و تجرد حقيقته عن المواد و الجسمانيات و ما ذكرناه مما أطبق عليه أهل الكشف و الشهود الذين هم خلاصة عباد الله المعبود بل جميع الموجودات عندهم بالمعنى الذي ذكرناه عقلاء «1» عارفون بربهم مسبحون له شاهدون لجماله سامعون لكلامه- و إليه الإشارة «2» بقوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ و التسبيح و التقديس لا يتصوران بدون المعرفة و قوله تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ دليل واضح على كون كل من الموجودات عاقلا