وينبغي أن يعلم المسلم؛ أن اتباع الحق والصبر عليه هو أقصر طريق إلى النصر وإن طال الطريق وكثرت عقباته وقل سالكوه، وأن الحَيدة عن الحق لا تأتي إلا بالخذلان وإن سهل طريقها وظن سالكه قرب الظفر فإنما هي أوهام.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الأنعام:153] .
إنه صراط واحد - صراط الله - وسبيل واحدة تؤدي إلى الله .. أن يفرد الناس الله - سبحانه - بالربوبية، ويدينوا له وحده بالعبودية وأن يعلموا أن الحاكمية لله وحده وأن يدينوا لهذه الحاكمية في حياتهم الواقعية .. هذا هو صراط الله وهذا هو سبيله .. وليس وراءه إلا السبل التي تتفرق بمن يسلكونها عن سبيله. «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» .. [1]
هذا هو الجهاد؛ ... قمة ... وثمرة ... يأتي بعد صبر طويل ومكوث مديد في أرض المعركة انتظارًا لجلب الأعداء واصطبارًا لشرورهم مكوث يستمر شهور وسنوات متتالية، وإن لم تتجرع هذه الآلام لن يفتح الله عليك بالنصر لأن النصر مع الصبر.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين) [2] .
إن مفاهيم الحق وصدق العقيدة والتوحيد تبقى دُمى في عالم الأشباح لا تجري فيها روح الحياة إلا إذا حملها أناس صادقون صابرون يتحملون تبعات هذا الطريق ولأوائه ويستعذبون العذاب ويستحلون النصب ولا يرضون إلا بالموت من أجل إحياء هذه المفاهيم على أرض الواقع تطبيقًا عمليًا، لا كما يتمنى البعض هذه المفاهيم ويزركشونها ضمن قوالب نظرية فلسفية، وخطب رنانّة بعيدة عن روح العمل والصدق والتنفيذ.
وإن الإسلام اليوم بأمس الحاجة إلى رجال صادقين صابرين ينزعون إلى الجد ويستعذبون التعب ويرتاحون بالنصب، فيترجمون بصمت متطلبات المرحلة ... رجال النفوس الصادقة
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1679)
(2) - القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان (ص: 42) ورسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: 18) ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 284)