والهمم العالية والعزائم القويّة، التي لا تعرف إلا سمت التلقي للتنفيذ فتأبى أن يعقدها الكلل، أو يدركها الملل، أو تنفق آمالها في المرا والجدال.
فشمر عن ساعد الجد والعمل واصبر على لأواء الطريق ووعورته، فقد قيل: (قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، ولكل نعمة شكرا، ومن لم يعلم أن مع العسر يسرا) .
يا ويح نفسي وما ارتفعت بنا همم *** إلى الجنان وتالي القوم أوابُ
إلى كواعب للأطراف قاصرة *** وظل طوبى وعطر الشدو ينسابُ
إلى قناديل ذهب علقت شرفًا *** بعرش ربي لمن قتلوا وما غابوا
يقول تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [التوبة:121] .
إنه على الظمأ جزاء، وعلى النصب جزاء، وعلى الجوع جزاء. وعلى كل موطئ قدم يغيظ الكفار جزاء. وعلى كل نيل من العدو جزاء. يكتب به للمجاهد عمل صالح، ويحسب به من المحسنين الذين لا يضيع لهم الله أجرا.
وإنه على النفقة الصغيرة والكبيرة أجر. وعلى الخطوات لقطع الوادي أجر .. أجر كأحسن ما يعمل المجاهد في الحياة. ألا والله، إن الله ليجزل لنا العطاء. وإنها والله للسماحة في الأجر والسخاء. وإنه لمما يخجل أن يكون ذلك كله على أقل مما احتمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشدة واللأواء. في سبيل هذه الدعوة التي نحن فيها خلفاء، وعليها بعده أمناء! [1]
وعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:" {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} [التوبة: 121] . . الْآيَةَ، قَالَ: مَا ازْدَادَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْدًا إِلَّا ازْدَادُوا مِنَ اللَّهِ قُرْبًا" [2]
فالأمر لله من قبل ومن بعد، ولسنا سوى عبيد له سبحانه، نسعى لتحقيق عبوديته، ومن كمال العبودية؛ أن نعلم ونوقن يقينًا جازمًا لاشك فيه؛ أن وعد الله متحقق لا محالة،
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2362)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (12/ 75) صحيح