وعَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيِّ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسًا، فَقَالَ: «مَنْ يُحِبُّ أَنْ يَصِحَّ فَلَا يَسْقَمَ؟» وَابْتَدَرْنَاهَا قُلْنَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَرَفْنَا مَا فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا أَصْحَابَ بَلَاءٍ وَأَصْحَابَ كَفَّارَاتٍ، فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ إِنَّ اللَّهَ لَيَبْتَلِي الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ فَمَا يَبْتَلِيهِ إِلَّا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَبْدَهُ بِمَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ دُونَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مِنَ الْبَلَايَا مَا يُبَلِّغُهُ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ» [1]
وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «لَيَوَدَّنَّ أَهْلُ الْبَلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ» [2]
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ" [3]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ النَّاسِ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: اصْبُغُوهُ صَبْغَةً فِي النَّارِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ أَصَبْتَ نَعِيمًا قَطُّ؟ هَلْ رَأَيْتَ قُرَّةَ عَيْنٍ قَطُّ؟ هَلْ رَأَيْتَ سرورًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ وَلَا سُرُورًا قَطُّ، وَلَا قُرَّةَ عَيْنٍ قَطُّ. قَالَ: فَيَقُولُ: رُدُّوهُ. قَالَ: وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ كَانَ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا، وَضُرًّا وَجَهْدًا، فَيَقُولُ: اصْبُغُوهُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ أَوْ شَيْئًا تَكْرَهُهُ؟ قَالَ: لَا وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَكْرَهُهُ قَطُّ» [4]
قال شقيق البلخي: (من يرى ثواب الشدة لا يشتهي الخروج منها) [5] .
والله عز وجل شرع الجهاد تكملة لشرائع الدين ورفع منزلته عاليًا حتى صار في ذروة التكليف الرباني، وجعل فيه شدة وبلاء تكرهه النفوس وتجبن عنده الطباع، ثم حببه
(1) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (7/ 508) ومسند ابن أبي شيبة (2/ 151) (638) والترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين (ص: 119) (401) والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2/ 219) (974) والمعجم الكبير للطبراني (22/ 323) (813) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (1/ 247) (850) فيه جهالة
(2) - الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 284) (2046) صحيح
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (3/ 526) (6553) حسن
(4) - الزهد لأسد بن موسى (ص: 71) (87) صحيح
(5) - إحياء علوم الدين (4/ 348)