فهرس الكتاب
ويبدو أن التيار الاعتباطي قد شعر بالخطر عند ظهور الطباعة الميكانيكية واستقرارها وانتشار كتب الحديث للتيار القصدي لخدمة الأصولية الرائجة فوقعت بأيدي الجماهير وإزاء ذلك حاول الأصوليون مغازلة التيار القصدي بادعاء أو ( تبني ) العرفانية والإعلان عن أسماء أصولية عرفانية في ذات الوقت ، حيث يفهم من ( العرفاني ) أنه الرجل الذي يتمكّن من معرفة الحقائق الدينية بأسلوب بعيد عن المنطق الارسطي والنحو البصري والكوفي وشقاقهما مع بعضهما والبلاغة الجرجانية أو السكاكية وبعيدًا عن الجدل الهيجلي والوجودية السارتريه والبنيوية السوسرية والصوفية الغزالية والفلسفة الفيضية ـ إسلوب يتميز بالتأمل في النص القرآني مجردًا عن أية تأويلات سابقة أو أصول موضوعة ويبدأ دائمًا من ألف لام ميم ـ لا يمكنني أن اعرف كلّ شيء ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين ) ـ حيث يفهم منه أن ( الهدى ) معرفة من ( النوع المتعالي ) وهو لا يحتاج الاّ الى التقوى ـ وان الفكرة الأصولية القائلة بان المرء إذا كان مشغولًا بحاجات الدنيا وغير متفرغ لمعرفة الدين فان هذه المعرفة تسقط عنه باتباعه أحد المذاهب ـ تبدو للمتأمل في هذا النص غير صحيحة ـ لأن الهدى معرفة وليس ثمة من يسقط عنه التكليف بالهدى أو يحتكره لنفسه ـ وليس ثمة أيضا من يزعم أن على الجميع ترك مشاغلهم والتوجه لمعرفة حقائق الدين وبناء على ذلك فلا بد أن يكون طريق معرفة الدين هو طريق آخر غير الأصولية القائمة على الاعتباط .