فهرس الكتاب
وأشارت مجلة (فورين بوليسي إن فوكس) ضمن تقرير خاص عن السياسة الأمريكية الخارجية إلى أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز صاغوا مبادرة للسياسة الخارجية، اعتمدت على نصائح يقدمها باستمرار المفكرون اليمينيون، وقد اختطفت وزارة الدفاع الأمريكية العمل السياسي من وزارة الخارجية الأمريكية، وأصبحت السياسة الخارجية الأمريكية تدار من البنتاغون، وذكرت صحيفة فرنسية أن هناك حرب خفية بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأمريكية، وفي الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية الأمريكي (باول) أمام أعضاء مجلس الشيوخ، استنكارًا على إدارة العسكريين من البنتاغون لسياسة الولايات المتحدة الخارجية قال بعبارة عسكرية يفهم مرادها العسكريون (إذا واصلتم مطاردتنا، فعليكم أن تستعدوا للقتال، كما يتعين عليكم أن تعلموا أنني سأشن الهجوم المضاد) وقال أحد كبار المسئولين في وزارة الخارجية (إذا كنت ستتعامل مع البنتاغون على المستوى العملي، فإن حياتك ستكون عسيرة، إنهم أيديولوجيون لدرجة غير عادية، وقد جعلتهم الحرب في العراق يشعرون بقدر من الفخر والحماس، جعلهم يفرزون كثيرًا من التستوسترون، لكن هذا لا يعني أن المعنويات عندنا منهارة، بل على العكس من ذلك، فإننا ندخل حاليًا فترة ستكون فيها الدبلوماسية هي سيدة الموقف في منطقة الشرق الأوسط وغيره) .
مما سبق يتبين أولًا أن سياسة التغيير الأمريكية ستفرض على المنطقة بجميع أشكال التغيير ودون استثناء، ولكن بالأسلوب الأمريكي الذي يناسب المنطقة، فحرية الأديان والحرية العامة والديمقراطية، ليست مطلقة بل هي بقدر تضمن فيه أمريكا عدم وصول الإسلاميين للسلطة، وتضمن عدم إتاحة الحرية الدينية للعقيدة الإسلامية الحقيقية، فهناك نظام سياسي في جميع المجالات معد للمنطقة بما يتناسب مع تحقيق الأهداف الأمريكية وهو استعمار ودكتاتورية وربما شيوعية ولكن بثوب جديد، أطلق عليه اسم الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، أي أن هناك شراكة في القيم والمفاهيم والأنظمة، إلا أنها لا تعني الشراكة بالطبع بل تعني الاحتلال والتسلط فحسب.
التخبط السياسي الأمريكي الذي يرتدي ثياب الغطرسة:
ويتبين لنا مما سبق أيضًا أن هناك تخبط في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، فحتى الآن لا يوجد قرار أمريكي مجمع عليه، يعطي من خلاله التفويض لجهة معينة تتعامل مع المنطقة فيما بعد حرب العراق، فوزير الدفاع الأمريكي يزور المنطقة ويطلق الاتهامات هنا وهناك، ويهدد باتخاذ قرارات المقاطعة والحصار وهي قرارات رئاسية عبر الخارجية، وليست من صلاحيات وزير الدفاع، ثم يعين وزير الدفاع الحكومة المدنية في العراق دون الرجوع للخارجية وهذا حسب نظام الحرب أن الخارجية تتولى إدارة المناطق التي تحت سيطرة قوات الاحتلال، ثم حصل تغيير في الإدارة في العراق، وقبلها حصل التخبط في شأن إدارة أفغانستان، ونستطيع أن نقول بأن التخبط الأمريكي الظاهر على عدم تحديد صلاحيات وزارة الخارجية والدفاع، سيقود المنطقة إلى اضطراب عظيم، مماثل للذي يحصل في العراق وأفغانستان وهو نموذج حي وقريب، فلا سلطة تسيطر على المنطقة والقوات الأمريكية عاجزة عن استيعاب الحدث فضلًا عن إدارة الأمور، ولو تم تحديد الصلاحيات لكل وزارة فإن التاريخ يشهد بأن أمريكا ما دخلت في قضية وأوصلتها إلى حل، بل إنها لا تزيد القضايا إلا تعقيدًا واضطرابًا، فقضية البلقان والكوريتين وأفغانستان والعراق وقبلها الصومال والسودان وغيرها من القضايا كلها شاهدة على فشل السياسة الأمريكية، فهي سياسة احتلال ونهب للثروات وتسلط وسيطرة بالقوة وغطرسة فقط لا غير.
يؤكد ذلك ما قاله وزير الدفاع اليوناني (يانوس بابا نطونيو) الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في مقابلة تلفزيونية أجرته معه قناة (ميغا) الخاصة الليونانية يوم الاثنين 11/ 3/1423هـ قال: (إن الخطر الأول بعد الحرب على العراق يمكن أن يكون(موجة الغطرسة الأمريكية الجديدة) وقال: إن الخطر يتمثل في أن يؤدي الانتصار الأمريكي في