فهرس الكتاب
أمريكا تتناقض في دعواها ولم تستطع مع استماتتها أن تثبت شيئًا يدين صدام أو حكومته، وفشلت كل المحاولات وفقدت المبرر لشن الحرب، إلا أنها لم تكن تبحث عن المبرر لاتخاذ قرار الحرب، فقرار الحرب اتخذته بسبب دوافع عقدية واقتصادية وسياسية عرضنا لبعضها في الحلقة الماضية.
فيقال إذا كانت أمريكا قد اتخذت قرار الحرب مسبقًا لدوافع أخرى، لماذا حرصت لجعل حربها تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟
نقول إن فوائد خروج قرار الحرب من تحت مظلة مجلس الأمن، يعود بالنفع على أمريكا من جميع الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية الإغاثية، علمًا أنه سيفقدها جزءً كبيرًا من الكعكة العراقية ولكنها سترضى بثلثي الكعكة ليتقاسم بقيه الأعضاء الثلث الباقي مقابل دعمها من جميع الجوانب.
ومعنى ذلك أن قرار الحرب إذا كان أمريكيًا منفردًا، فإن تكاليف تدمير العراق وتكاليف تعميره، ستكون كلها على كاهل أمريكا، لأن الحرب ستكلف أمريكا من الناحية الاقتصادية الكثير، وعلى سبيل المثال فإن أمريكا تنفق 18 مليون دولار لوقود آلياتها أثناء الحرب يوميًا، كما أنها تنفق 480 ألف دولار يوميًا لمياه الشرب لجنودها في الميدان، وتنفق 30 مليون دولار يوميًا لوجبات الطعام لجنودها، وما يخص صيانة الناقلات وإيصال هذا التموين إلى ميدان المعركة يكلف قرابة 10 ملايين كل 48 ساعة من الكويت إلى الميدان لقطع أكثر من 450 كلم، هذه تكلفة وقود الآليات وطعام الجنود، فكيف لو أضفنا عليها تكاليف سلاح الجو فيما يختص بوقود الطائرات وصيانة الطائرات وتكاليف الذخائر والقنابل والصواريخ وقذائف سلاح البر وذخائر الأسلحة، إضافة إلى سلاح البحر حاملات الطائرات وما يختص بها من تكاليف، كل هذا يضاف عليه الخسائر اليومية في الميدان من آليات وطائرات تكلف مئات الملايين من الدولارات، وحتى الآن فإن التقارير الأمريكية تفيد بأن ثلث الآليات في الميدان غير صالحة للاستخدام بسبب الأعطال وهي تعمل الآن في ظروف استثنائية، كل هذا يكلف أمريكا الشيء الكثير، فقد وضعت أمريكا له 100مليار دولار كتوقع لتكاليف الحرب، ونحن نظن أن الاقتصاد الأمريكي غير قادر على دعم الحرب بهذا المبلغ، فالعجز في الاقتصاد الأمريكي هائل جدًا، لأجل ذلك كانت أمريكا حريصة على أن يكون قرار الحرب خارجًا من تحت مظلة مجلس الأمن لتتقاسم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تكاليف هذه الحرب، بدلًا من وضعها كاملة على عاتق أمريكا.
ولن ينتهي أمر تكاليف الحرب عند الحرب وحدها التي لا يدري الأمريكان متى تنتهي ولا كيف تنتهي، بل إن الأمر يتعدى إلى تعمير ما دمرته الحرب، وبما أن القرار أمريكي فالتعمير أمريكي أيضًا، إضافة إلى المعونات الإنسانية التي يفترض أن تقدم للعراق لو قدر الله سقوطها بأيديهم، كل تكاليف ما قبل الحرب وأثناء الحرب وما بعد الحرب كلها ستكون على أمريكا منفردة، عندما فقدت غطاء قرار مجلس الأمن لهذه الحرب.
ولأجل هذا السبب الاقتصادي أولًا سعت أمريكا لأن يكون قرار الحرب صادرًا من مجلس الأمن، وحينما عجزت عن هذا شنت الحرب بتكاليف مؤجلة ستدفعها من سرقتها للنفط العراقي لو حصلت السيطرة لها.
أما من الناحية العسكرية فأمريكا لم تكن بحاجة لدعم عسكري من الناحية التقنية أو الجوية، ولكنها بحاجة إلى دعم عسكري بري من قبل أعضاء الأمم المتحدة، فأمريكا منذ عقود لم تخض حروبًا برية حقيقية في الميدان، وكل اعتمادها في حروبها على قواتها الجوية، فهي بحاجة أيضًا في هذه الحرب لأن تقدم قوات برية لدول أخرى لتتولى هي القصف الجوي بتكاليف دولية، أما من الجانب الآخر فإن أمريكا على استعداد لتقديم كل شيء مقابل تجنب إدخال جنودها في ميدان المعركة ليس بسبب معرفتها بعدم كفاءة الجندي الأمريكي، ولكن لمحاولة حفاظها على أرواح جنودها خشية معارضة الرأي العام الأمريكي لقرارات الحرب.