فهرس الكتاب
أما من الناحية السياسية والإعلامية فأمريكا كانت بحاجة ماسة لوجود دعم سياسي وإعلامي من قبل دول العالم كلها لتحاصر بها الحكومة العراقية والشعب العراقي لتتمكن عن طريق الدعاية والضغط السياسي والإعلامي من الانتصار في الميدان، كما هي عادتها في التركيز على التزييف الإعلامي والأكاذيب لتظهر قدرًا من القوة والغلبة للعدو قبل أن تخوض حربًا معه، فإذا كان قرار الحرب صادرًا عن مجلس الأمن فسوف تردد أمريكا في كل دقيقة اسم الحرب تنفيذًا لقرار مجلس الأمن ونزع أسلحة الدمار حسبه، وبهذا القرار تضغط على جميع أعضاء الأمم المتحدة بدعمها سياسيًا وفتح الأجواء والحدود بل وعدم إبداء أي قدر من التعاطف أو الحيادية مع العراق، كما حصل في أفغانستان عندما قال بوش (من لم يكن معنا فهو ضدنا) لأنه في حرب أفغانستان يستند إلى قرار من مجلس الأمن بشن الحرب، فخاض الحرب مع جميع دول العالم وبمشاركة أكثر من 100 دولة كما قال وزير الدفاع الأمريكي، وساق بوش بذلك دول العالم كلها لدفع تكاليف تعمير ما دمروا في أفغانستان إلا أن الإعانات القليلة المدفوعة سرقتها أمريكا كثمن لتكاليف الضربات الأمريكية على أفغانستان.
والفوائد التي كانت تسعى أمريكا للحصول عليها من قرار مجلس الأمن بشن الحرب على العراق، لا تنتهي عند حد فهي كثيرة وعلى جميع الأصعدة، وعندما فقدت هذا القرار اضطرت لشن الحرب مع بريطانيا فتولت تكاليف الحرب كاملة
أما من الناحية السياسية فقد وصف العالم كله قرار الحرب بأنه خارج الشرعية الدولية - كما يسمونها - ومعنى هذا أن الحرب من الناحية السياسية لن تلاقي أي دعم سياسي من الدول المهمة التي كانت أمريكا تطمع بتأييدها، ولم ينته الأمر عند هذا الحد حتى أبدت الدول الدائمة العضوية معارضتها للحرب والسعي لإيقافها ووصفها بأنها حرب ظالمة وخارج الشرعية، فانعكس هذا على جميع شعوب دول العالم، وللمرة الأولى التي تجمع شعوب العالم فيها على رفض حدث معين، فقد شهدت دول العالم كلها مظاهرات خرج فيها عشرات الملايين من الناس من جميع الديانات لاستنكار هذه الحرب والمطالبة بإيقافها ولازالت المظاهرات مستمرة.
ولم يكن الرأي العام الأمريكي معزولًا عن هذه الاستنكارات رغم حرص حكومته على تغييبه عن حقيقة الأمر، إلا أن الرأي العام الأمريكي أبرز الملايين منه في مظاهرات تندد بالحرب، وتنادي الجنود الأمريكيين برفض قرار الحرب وإعلان العصيان وعدم المشاركة فيها، ولم يكن الجندي الأمريكي في معزل عن كل هذه التفاعلات، فتأكد أن هذه الحرب تفتقر لأي مبرر منطقي أو شرعية دولية فهي حرب ظالمة بكل المقاييس، وقد أدت هذه القناعة لدى الجندي إلى انهيار روحه المعنوية، وبالمقابل ارتفاع الروح المعنوية للشعب وللجندي العراقي، وتغير الأداء في الميدان وخرج عن التوقعات كلها في قوة المقاومة العراقية، وفي ضعف وبطئ التقدم البري وفي التخبط الصليبي على الميدان على مستوى القيادة، وحتى اليوم لم تسقط مدينة عراقية رغم حصار بعضها أو دخولهم لضواحيها.
والتخبط في التخطيط بداية عائد لفقدان المبرر لشن هذه الحرب، فخضعت الخطة في ميدان المعركة لقرار سياسي لا عسكري، فصدر القرار السياسي بشن حرب خاطفة وسريعة لا تستغرق أكثر من أسبوع، خشية ازدياد الاحتجاج العالمي ودخول أطراف أخرى مساندة ولو من الناحية السياسية لحكومة العراق، ولأجل هذا القرار السياسي، وضع العسكريون الخطة بشن حرب خاطفة، ومن أكبر الأخطاء أن يُخضِع العسكريون خططهم العسكرية لقرارات سياسية، والأصل أن تخضع الخطط العسكرية للمعطيات الميدانية على أرض الواقع، ولكن فقدان المبرر في شن الحرب دفعهم لهذا الأداء المضطرب على الميدان، ومحاولة الاستعجال لحسم الحرب وتحقيق أي شيء على أرض الواقع لوضع العالم أمام الأمر الواقع.
ولا زال الصليبيون يعانون من ازدياد تدني الروح المعنوية لدى قواتهم، وهم يحاولون رفعها بشتى الوسائل، سواء بتضخيم الإنجازات أو اختلاق الأكاذيب كسحق فرقة عراقية كاملة يتجاوز تعدادها 15 ألف جندي خلال معركة ست