فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 420

وبعض الأحباب لا ينقلون له عني إلا ما يشينني عنده.

وذات مرة استفتاني والدي×وهو في فراش الموت، فأفتيته، فقال لي: يا بني ! من غير احتقار لك، لا أقنع إلا بفتوى موقَّعة من الشيخ ابن باز؛ فأتيت سماحته، وأفتى بما أفتيت به، وقد كان حُمل إليه عددٌ من مجلة الثقافة والفنون كتبت فيها خمسًا وأربعين صفحة مما لا تسر الكتابة عنها ولا تُشَرِّف، فصار ينهرني، وأنا أحاوله بأن يكون النصح سترًا لا تشهيرًا، وكنت أخاف أن يسمعه الشيخ إبراهيم الحصين، وهو أستاذ لي بالابتدائي، وأستحي منه.

وكان الشيخ يردد: =ما أعظم مصيبتك عند الله+ ثم صار يبرم أطراف غترته، ويدعو لي وقد اغرورقت عيناه؛ فزالت المُوجدة من نفسي، وتمزق قلبي حزنًا؛ لصدق هذا الإنسان في موعظته، وحرصه على هداية الناس، وطلب حسن العقبى لهم.

ولو جادلني لكابرت في المجادلة، وقد فتح الله قلبي لحسن نيته، ومنذ تلك اللحظة بشهور تقلص حب الغناء والطرب من وجداني، وتولدت عندي كراهةُ الغناء كراهةً ما كنت أتصور حدوثها قط؛ فسبحان مقلب القلوب.

فإن عاودني الحنين بعد سنة أو سنتين فإنما ذلك لبعض الأغاني الشعبية، أو أغاني الريف والصعيد ذات المعاني المحببة على أنني لا أتمادى في السماع، فإن تماديت أحسست بالوحشة، وليست هذه الكراهة عن برهان شرعي انقدح في ذهني، وإنما هي كراهة ووحشة قُذفت في قلبي، ولا أعلم كيف جاءت، بل كانت تلاوتي للقرآن أربى، وكنت قبلًا لا أتعهده إلا في رمضان، أو فيما ندر.

وهكذا ظل بعض الأحباب ينقلون عني الصور المظلمة، ولا يكادون يذكروني بخير، فوهبت لهم عرضي، وهجرت أعز مجلس لدي، وأبقيت لسماحته الدعاء الصالح كلما ذكرته؛ فقد كان فاتحة خير لي دنيا وآخرة.

وأما ما يلاحظه عليَّ سماحته فيما أنشره أو أذيعه فقسمان: قسم حققته عن اجتهاد كتمسُّكي بأصول أهل الظاهر؛ فهذا لن أحُولَ عنه بعد أن كان يقينًا أو راجحًا عندي، وأرجو الله أن ألقاه صادقَ الاجتهاد نَزِيْهَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت