فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 420

وبعد فلقد كان لنا في حياة الإمام عظات، ولنا_أيضًا_في موته عظات، وإن أعظم موعظة نأخذها أن ندرك أنْ ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنه لا ينفع الإنسان إلا ما قدمه من أعمال صالحات، ومآثر خيِّرات، وأن نستحضر أن العلم والإيمان يرفعان صاحبهما عند الله وعند خلقه درجات.

وإن كنا محبين للإمام معجبين بسيرته_فلتلهج ألسنتنا بالدعاء له، ولنتخذ من سيرته نبراسًا نسير عليه؛ فهو لم يصل إلى ما وصل إليه إلا باقتدائه بمن سبقه من سلفه الصالح؛ وعلى رأسهم_رسول الله"."

لقد مات الرسم، وبقى الاسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم.

لقد بكى الإمامَ الكبيرُ والصغيرُ، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والرجال والنساء، والموافق والمخالف.

وتبكيه مشاهد كانت بوجوده مشهودة، ومعاهد كانت في ظلال رعايته وتعهده عليها ممدودة، ومساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، ومدارس كانت بفيضه الزاخر ونوره الزاهر مغموره، ومجالس كان حاديَ زمرها إلى العلم، وقائد نزاعها إلى الإحسان والسلم.

لقد بكته الأمة التي أراد رشادها، وقوَّم منآدَها، وأصلح فسادها، وملك بالاستحقاق قيادها، وحملها على المَعْلم الواضح والعَلَم اللائح حتى أبلغها سدادها.

ولقد بكته أمم شَبَّت على يديه، وتربت تحت رعايته، ونهلت من علمه، وقبست من فضله.

ولقد بكاه الفقراء و المعوزون، وطالبو الشفاعات والمساكين الذين كانوا يحتمون بِطِرافه السامي الذُّرا، ويأوون إلى حرمه الذي لا يضهد؛ فيلقون القلب الرحيم الذي يحنو عليهم حنوَّ المرضعات على الفطيم.

وبكته ساحات الجهاد؛ حيث فقدت نصيحها، ونصيرَها، ورابطَ جأشِها، ومقويَ عزائمها، والحريص على جمع كلمتها، ورأب صدعها.

وما مَثُلُ مَنْ بُلوا بفقد الإمام إلا كالمدلجين يطلع عليهم القمر ساطعًا، فيستبينون به أعلام الطريق رشدًا، حتى إذا ازدهتهم طلعتُه، وتدفقت حولهم أشعتُه_توارى بالحجاب فإذا هم مظلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت