وقال - سبحانه: { ... وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ... } [1] وقال: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] . ... =
= ... فالشفاعة المثبتة هي النافعة، لكن تنفع بشرطي الإذن والرضا: الرضا عن الشافع، وأن يكون ممن شهد بالحق وهو يعلم، والرضا عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد، ولهذا ثبت في الصحيح أن أبا هريرة - رضي الله عنه - سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بشفاعتك يوم القيامة. قال:"لقد علمت أنه لن يسألني أحد قبلك لما أعلم من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه" [3] قال العلماء: أسعد الناس يعني: سعيد الناس يعني: أن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه في المفاضلة، وإنما هو بمعنى سعيد الناس، كقوله - جل وعلا: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ ... مَقِيلًا} [4] والنار ليس فيها مقيل حسن.
فشفاعة النبي - عليه الصلاة والسلام - وشفاعة الملائكة، وشفاعة الصالحين، وشفاعة ... العلماء يوم القيامة؛ إنما هي لأهل الإخلاص، وأهل الإخلاص إنما يطلبونها من الله، فيقول المخلص: اللهم شفِّع فيّ رسولك - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة. اللهم شفِّع فيّ ملائكتك، اللهم شفِّع فيّ العلماء الصالحين، اللهم شفِّع فيّ عبادك الذين تحبهم ويحبونك، ونحو ذلك من الألفاظ.
وإنما تطلب الشفاعة من الله - جل وعلا -، لا من المخلوق؛ لأن الشفاعة طلب الدعاء؛ فإذا قال: استشفع يعني: أطلب منك الدعاء، وأطلب منك رفع حاجتي، وإذا رجع أمر الشفاعة إلى الطلب، صارت الشفاعة من أنواع الدعاء، فيكون طلبها من غير الله شركًا أكبر.
ولهذا نقول: إن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الأموات ونحو ذلك شرك أكبر؛ لأنها دعاء، والدعاء يجب أن يكون مخلصًا فيه لله - جل وعلا -.
(1) - سورة الأنبياء بعض الآية 28.
(2) - سورة الزخرف الآية 86.
(3) - رواه البخاري في العلم، باب الحرص على الحديث ح (97) وفي الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح (6085) ، وأحمد في باقي مسند ... المكثرين ح (8503) كلاهما من حديث أبي هريرة.
(4) - سورة الفرقان الآية 24.