الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [1] وقوله: {أَحَدًا} يعم الجميع - كما ذكرنا ذلك مرارًا -. وقوله - جل وعلا: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُو بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُو عِندَ رَبِّهِج~ إِنَّهُو لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [2] قال - جل وعلا - هنا: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُو بِهِ} هذه صفة من عبد غير الله - جل وعلا - في أنه لا برهان له بما عبد =
= وليس لها مفهوم أن هناك ما يعبد وله برهان به، بل كل من عبد غير الله فإنه لا برهان له على أحقية ذلك الغير بالعبادة أو التوجه، فإذا نظرنا في هذا الزمن الذين يعبدون الأولياء والأنبياء والرسل، ويتجهون إلى القبور والمشاهد نجدهم يقولون: إن هذه ليست هي عبادة المشركين الأولين؛ لأن هذه عبادة ناس صالحين، وأولئك إنما عبدوا الأصنام والأحجار. كيف يكون ذلك، وقد قال - جل وعلا - في وصف أولئك المعبودين: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍصلى وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [3] قال طائفة من المفسرين - كأبي حيّان في تفسيره البحر المحيط: إن هذه الآية فيمن ... يبعث؛ لأن الله قال: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍصلى} والذي يوصف بأنه ميت هو من كان حيًا قبل ذلك، والأصنام التي هي من الأحجار والأشجار ونحو ذلك لا توصف بأنها أموات غير أحياء، وإنما الذي يوصف بذلك من كانت تحله الحياة، ثم صار ميتًا، فإنه يقال فيه: أموات غير أحياء.
وبيّن ذلك أكثر حين قال: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} فإنها في حق من يبعث يوم القيامة للقاء الله - جل وعلا -.
فمشركو هذا الزمان وزمان الشيخ - رحمه الله - في كل مكان يقولون: إنما توجهنا إلى صالحين. فيقال لهم: وأولئك الأولون إنما توجهوا إلى صالحين. ويقولون: نطلب منهم الوساطة، ما طلبنا منهم استقلالًا. نقول: والأولون - أيضًا - طلبوا الواسطة والقربة والشفاعة، ولم يطلبوا الاستقلال، فالحال هي الحال، وإن تغيّرت الأسماء، وتغيّرت الدعاوى، فالحال هي الحال، وما أشبه الليلة بالبارحة.
(1) - سورة الجن الآية 18.
(2) - سورة المؤمنون الآية 117.
(3) - سورة النحل الآية 21.