القاعدة الرابعة
أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا، شركهم دائمًا في الرخاء والشدة، والدليل قوله - تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [1] .
(تمت وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم)
هذه القاعدة نتيجة لما سبق، ومترتبة عليه، فإنه إذا تقرّر أن المشركين في هذا الزمان من جنس المشركين في كل زمان ومن جنس مشركي الجاهلية، وإن كانوا ينتسبون إلى الملّة والإسلام، ولهم صلوات وتعبدات، فإن شركهم قد يكون أشد وأعظم من شرك الأولين. وهو الذي بيّنه الشيخ في هذه القاعدة، إذْ بيّن أن مشركي هذا الزمان أغلظ شركًا من مشركي أهل الجاهلية؛ لأن الله - جل وعلا - وصف أهل الجاهلية بأنهم يشركون في الرخاء، وأما في الشدة فإنهم يوحدون، قال ... - جل وعلا: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِصلى ثُمَّ إِذَا مسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْءَرُونَ} [2] يعني: إليه دون ما سواه {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرُّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْج ... } [3] وقال - جل وعلا - في بيان حالهم في البحر: { ... حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ... بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّو~ا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْلا دَعَوُا اللَّهَ ... مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّقلى ... } [4] وقال - جل وعلا: {فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} وفي الآية الأخرى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَاتِهِج~ إِنَّ فِى ذَالِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
(1) - سورة العنكبوت الآية 65.
(2) - سورة النحل الآية 53.
(3) - سورة النحل الآية 54 وبداية الآية 55.
(4) - سورة يونس بعض الآية 22 وبداية الآية 23.