وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [1] وقال - جل وعلا - في الكفار: وَقَدِمْنَآ إِلَاى =
= مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا [2] .
فالعبادة - وإن كانت عظيمة كثيرة، إذا لم تكن مع الإخلاص - لا تكون مقبولة، كما أن الرجل يصلي صلاة عظيمة يطيل فيها القيام والركوع والسجود، ويحسِّنها جدًا، وقد دخل فيها على غير طهارة، فلا تكون صلاته مقبولة بالإجماع؛ لأن الطهارة شرط صحة الصلاة، كما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". [3] فلا صلاة إلا بطهور، وهذا شرط متفق عليه. وهذا تقريب لهذه المسألة العظيمة، وإلا فإن شرط الإخلاص والتوحيد لقبول العبادة أعظم من شرط الطهارة لقبول الصلاة؛ لأنه إذا صلى محدِثًا متعمِّدًا فإن في تكفيره خلافًا بين أهل العلم. وأما إذا عبد الله مشركًا فإنه بالإجماع ليس مقبول العبادة، وبالإجماع هو كافر؛ لأنه أشرك بالله - جل وعلا - الشرك الأكبر الذي لا يقبل معه عمل.
إذا تقرّر ذلك، فإن هذا الأصل يجعل المرء يخاف ويفرح، يخاف من الشرك وأن يكون من أهله، ويفرح أن جعله الله - جل وعلا - من أهل التوحيد، وفرحه بأن جعله الله من أهل التوحيد يوجب شكر ذلك، والمحافظة عليه، وخوفه وهربه من أن يكون من أهل الشرك، أو أن يأتيه بعض الشرك، كما يوجب عليه أن يكون دائم الحذر أن يعتري عبادته أو عقيدته أو أقواله شيء من الشركيات؛ لأن الشركيات، إذا كانت من الشرك الأكبر، فإنها محبطة للعمل، وإذا كانت من الشرك الأصغر، فإنها أعظم من البدع والمعاصي المختلفة يعني: من حيث الجنس، وهذا - لاشك - يجعل المرء الفرح الخائف - الفرح بالتوحيد، الخائف من الشرك - يجعله يطلب هذه القواعد التي تجعله على يقين من أمره.
وبيان التوحيد والشرك في دعوة الإمام المصلح - رحمه الله - لمن تأمله، قد يكون معه شيء من التردد أو الشك في صحة ما جاء به الشيخ، من جهة تقرير المسائل، ومن جهة الحكم على أهل الشرك والإشراك؛ لأن المسألة عظيمة أن يكون أحد ممن يقول: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، ويصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ويتعبد، ويكون من أهل العبادات العظيمة، ومن أهل الصلاح - كما يقول
(1) - سورة الزمر الآيتان 65 و66.
(2) - سورة الفرقان الآية 23.
(3) - رواه البخاري في كتاب الحيل، باب في الصلاة ح (6440) ، وأبو داود في الطهارة، باب فرض الوضوء ح (55) ، وأحمد في باقي مسند المكثرين ح (7875) كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا.