الخالق وحده، والرازق وحده إلى آخر أفراد الربوبية فإنه هو الذي يستحق العبادة دون ما سواه؛ ولهذا قال - سبحانه - منكرًا على المشركين: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ =
= يُخْلَقُونَ [1] وقال - سبحانه: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَاى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى~قلى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [2] ووصف الذين جعلهم المشركون آلهة بأنهم عاجزون، وليس لهم قدرة، وليس لهم خلق، وليس لهم صفات تجعل أولئك يتوجهون إليهم: { ... وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُج ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [3] هذا مثل الذين توجهوا إليهم بالعبادة، وإقرار المشركين بالربوبية لم يدخلهم في الإسلام.
نستنتج من ذلك أن إقرار من بعدهم بالربوبية لا يعني أنهم مؤمنون، فإذا أتى آت، وقال: أنا مؤمن بأن الله هو الرب، وهو الخالق الذي خلقني، وهو الذي أحياني ويميتني، فإنه لا يعد مؤمنًا الإيمان الشرعي، يعني: لا يعد مسلمًا حتى يأتي بالتوحيد؛ ولهذا غلط المتكلمون حين عرّفوا (الإله) بأنه القادر على الاختراع، وجعلوا معنى (لا إله إلا الله) راجعًا إلى الربوبية، وهذا أعظم غلط، وقع فيه المتكلمون على الدين، وعلى الملّة؛ إذْ جعلوا الابتلاء واقعًا في الربوبية، فإذا أيقن المرء بأن الموجد للأشياء والخالق لها هو الله، فإنه يكون عندهم مؤمنًا مسلمًا، وهذا غير معنى الألوهية؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) : لا معبود بحق إلا الله - جل وعلا - فمعناها راجع إلى العبودية لا إلى الربوبية.
فهذا مراد الشيخ من هذه القاعدة المهمّة اليقينية؛ لأن هذه القاعدة يقينية، تبين بيقين حال الكفار وحال المشركين، وأنهم مقرّون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم، ولم يدخلهم في الإسلام، ولم يجعل لهم حقًا؛ لأنهم أشركوا مع الله - جل وعلا - آلهة أخرى، وعبدوا آلهتهم الباطلة، وقالوا: {أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَاهًا وَاحِدًاصلى ... } [4] ، فإذا نظرنا في هذا الزمن، وفي زمن الشيخ، وما قبله، وما بعده وجدنا أن هناك من يوقن بالربوبية، ولكنه يشرك في العبادة، فلا ينفعه إقراره كحال الأولين؛ لأن القاعدة: أن مشركي العرب كانوا يوقنون بالربوبية، وإذا سمع بعض الناس اليوم من يقول: إن شاء الله، أو سمع من يذكر الله - جل وعلا - أو يقول: إن الله هو ربه، أو هو مولاه، ونحو ذلك، ظنه
(1) - سورة الأعراف الآية 191.
(2) - سورة النمل الآية 59.
(3) - سورة الحج آخر الآية 73.
(4) - سورة ص~ بداية الآية 5.