وأما من يثبت المفهوم فلهم فيه قولان:
الأول: عدم حمله عليه لأن ما اشتمله العامّ دخل بدلالة المنطوق، فلا يخرج منه لمفهوم الخاصّ.
وعلى هذا القول قاعدة:"ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العامّ لا يقتضي التخصيص"
الثاني: حمله عليه لأنه يجري معه مجرى البيان للمجمل.
مثاله: أكرم الرجال، ثم يقول: أكرم الرجال المؤمنين.
بخلاف حمل المطلق على المقيد فإن الجمهور على جواز ذلك بشرطه لأن المطلق مجمل لا يعلم دخول الأفراد فيه بل دخولها وعدمه مستويان فإذا جاء المقيّد رجّح أحد الاحتمالين، وكان بمنزلة البيان له.
والأظهر: حمل العامّ على الخاصّ إلا لقرينة لأن العرب من عادتهم في الخطاب أن يفصّلوا الكلام في موضع ويجملوا في آخر اكتفاءً بذلك التفصيل (وأظن الإمام الشافعي استدل بهذا) .
ولأن اللفظ الخاصّ لم يأت بلا فائدة، ولم يذكر بخصوصه إلا لأن غيره ليس مساويًا له، ثم قد علّق الحكم به تعليق الشيء بعلّته، وما انتفت علّته انتفى. [1]
وما سبق هو الأصل في العامّ الذي ذكر بعض أفراده بحكمه، وقد ينتقل عنه بقرينة فيقال أفرد بالذكر تنبيهًا لشأنه، أو جوابًا لسائل، كما هو الحال في سائر الظواهر.
ملحوظة: إذا كان العام والخاصّ، أو المطلق والمقيّد في كلامٍ واحدٍ حمل عام على خاص ومطلق على مقيّد اتفاقًا، وإنما الخلاف في كلامين مختلفين، لأن المتّصل يجري مجرى البيان والتفسير. وإلا لزم منع صيغ العموم كما التزم ذلك بعض الأصوليين كالآمدي. (ذكره بمعناه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى عند الكلام على الوقف) .
فرع: الكلام على حديث الغراب الأبقع
جاء عند مسلم في ذكر ما يقتله المحرم حديث شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعًا، وذكر فيه الغراب الأبقع، ولفظ الأبقع قال فيه ابن عبد البر إنه لا يثبت، وقد صدق فإن حديث عائشة معروف عنها من رواية عروة والقاسم، وليس فيه هذا التقييد، وحديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد كذلك، وإنما رواه شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة وتفرد به من هذا الوجه، وقد أخرج أبو داود في المراسيل (146) وعبد الرزاق (8384) وابن أبي شيبة (4/ 55) من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيّب مرسلًا حديث ما يقتل المحرم وذكر فيه
(1) هذان الوجهان ذكرهما ابن القيم في تهذيب السنن عند الكلام على حديث القلتين مستدلاًّ بهما على حجية المفهوم.