الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. وبعد:
فهذه جملة قواعد ومسائل مستفادة من كلام أهل العلم في موضوع العبودية لله - تعالى - فإن جميع الرسل - عليهم اللاة والسلام - من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له: (( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ) ) [الأعراف: 59] كما أن الله - عز وجل - قد جعل العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأقربهم إليه وهم الأنبياء والملائكة فقال - سبحانه: (( لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا ) ) [النساء: 172] .
ووصف الله - تعالى - أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة - بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال - تعالى: (( تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) ) [الفرقان: 1] ، وقال - سبحانه: (( سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا الَذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ) [الإسراء: 1] .
وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أخرجه مسلم [1] .
يمكن أن نخلص - من خلال هذه المقدمة - إلى قاعدة، وهي: أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، فأكرم ما يكون العبد عند الله - تعالى - عندما يكون أعظم عبادة وخضوعًا لله - عز وجل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته) [2] .
ويقول في موضع آخر: (والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره. فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص
(1) انظر: العبودية لابن تيمية، ص 40 ـ 43، ومدارج السالكين 1/ 101 ـ 103.
(2) العبودية، ص 80.