قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء) [1] .
وها هنا قاعدة أخرى، وهي أن حاجة الإنسان وضرورته إلى عبادة الله - تعالى - فوق كل حاجة وضرورة.
يقول ابن تيمية - في هذا الصدد:(اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة.
فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.
ولو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ به غير منعم له ولا ملتذ به، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك. وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه ... ) [2] .
ويقول ابن القيم - مقررًا تلك الحاجة: (اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره .. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها) [3] .
وأما عن تعريف العبادة، فالعبادة لغةً: من الذلّ، يقال: بعير معبّد، أي مذلل.
وقد تنوّعت أقوال العلماء في تعريف العبادة:
(1) مجموع الفتاوى، 1/ 39.
(2) مجموع الفتاوى، 1/ 24، 25، وانظر مجموع الفتاوى، 28/ 32.
(3) طريق الهجرتين، ص 57.