ويقول ابن القيّم: (والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا) ... [1] .
ومن القواعد أيضًا: كل من استكبر عن عبادة الله - تعالى -، فلا بد أن يعبد غيره.
يقرر ابن تيمية ذلك بقوله: (الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله - تعالى -، ازداد فقرًا وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود) .
فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه من إرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله) [2] .
ويقول -صلى الله عليه وسلم- في موضع آخر: (وهكذا أهل البدع لا تجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة، كما جاء في الحديث:(ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها) [3] رواه الإمام أحمد.
وقد قال - تعالى: (( فَنَسُوا حَظًا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ) ) [المائدة: 14] ، فلما تركوا حظًا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: (( اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) ) [الأعراف: 3] فأمر باتباع ما أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر.
وكذلك من لم يفعل المأمور، فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور، لم يفعل جميع المأمور، فلا يمكن لإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر) [4] .
(1) مدارج السالكين، 1/ 74.
(2) العبودية، ص 112 ـ 1114؛ بتصرف وتقديم.
(3) أخرجه أحمد، 4/ 105، ولفظه (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة) .
(4) مجموع الفتاوى (الإيمان) 7/ 173، 174؛ باختصار. وانظر اقتضاء الصراط المستقيم، 2/ 617، ومجموع الفتاوى، 29/ 329.